مقدمة الكتاب
هذه مجموعة من
خطب الجمعة، التي كنت قد ألقيتها من على منبر مسجد الكوفة، وقد قمت من خلالها بشرح
قسط كبير من رسالة الإمام المهدي [عجل الله
تعالى فرجه الشريف]، التي أرسلها
للشيخ المفيد P ، لما فيها
من الدروس والعبر، وكل كلماتهم G كذلك.
ونظراً لنعمة
حسن الظن التي قابلني بها الكثير من الأخوة المؤمنين - أعزهم الله تعالى - ، وتقبلهم
لما كان ألقي خلالها من أفكار. ونزولاً عند رغبتهم في جمعها ونشرها، وفقني الله
سبحانه وتعالى لجمعها وترتيبها، على شكل هذا الكتاب المتواضع الذي بين يديك، لتعم
الفائدة ويصل نفعها إن استحقت ذلك إلى من لم يسمعها. وأسميته [توقيع اليد العليا]، فله
الحمد والمنة.
وهذا الكتاب
بحد ذاته، يصلح كدراسة في فكر شهيدنا الحبيب الولي المقدس السيد الشهيد محمد الصدر
P. لأنني
اقتطفت بعض كلماته الشريفة، في شرح رسالة الإمام D،
من موسوعته المباركة موسوعة الإمام المهدي D،
مع تحليلها ومناقشتها والتعليق عليها.
ولا يخفى على
القارئ الكريم، أنني نشرت هذه الخطب على المستوى الذي ألقيت عليه، وكنت أتوخى من
خلال هذا المستوى، متوسط الثقافة العامة لدى عامة المؤمنين، مضافاً إلى المحافظة
على الإختصار قدر الإمكان تخفيفاً عليهم. وإلا فبالإمكان أن تكون بعض المطالب
قابلة للزيادة شرحاً وتفصيلاً. إلا أن هذا المقدار لهو كاف ومعتد به، ويصلح للنشر على
ما أفهم، والحمد لله وحده.
أسأل الله
تعالى أن يتقبل هذا القليل بواسع فيضه ورحمته، فإنه يقبل اليسير ويعفو عن الكثير.
وأتمنى على
القارئ الكريم، أن يحقق هدف الإمام من هذه الرسالة الشريفة، فإنه غاية المطلوب.
إلهي كفى بي
عزاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي رباً، أنت كما أحب، فاجعلني كما
تحب.
أسعد الناصري
النجف الأشرف
20 رجب الأصب
1428
الرسالة الشريفة
ورد في كتاب - تهذيب
الأحكام - للشيخ الطوسي P ج1 ص 37 وغيره ،
هذا الكتاب الذي أرسله صاحب العصر والزمان الإمام المهدي [عجل الله تعالى فرجه
الشريف]، إلى الشيخ المفيد P، وقد ورد فيه:
[للأخ السديد
والولي الرشيد، الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان
- أدام الله إعزازه - من مستودع العهد المأخوذ على العباد.
بسم
الله الرحمن الرحيم
أما بعد، سلام عليك أيها
الولي المخلص في الدين، المخصوص فينا باليقين. فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله
إلا هو، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا ونبينا محمد وآله الطاهرين.
ونعلمك - أدام الله توفيقك
لنصرة الحق، وأجزل مثوبتك على نطقك عنا بالصدق - : إنه قد أذن لنا في تشريفك
بالمكاتبة، وتكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا قِبَلَك أعزهم
الله تعالى بطاعته، وكفاهم المهم برعايته وحراسته. فقف - أيدك الله بعونه على
أعدائه المارقين من دينه_ على ما أذكره، واعمل على تأديته إلى من تسكن إليه،
بما نرسمه إن شاء الله.
نحن وإن كنا ثاوين بمكاننا
النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من الصلاح،
ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين. فإنا نحيط علماً
بأنبائكم، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم،
ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم، مذ جنح كثير منكم إلى ما
كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم،
كأنهم لا يعلمون.
إنا غير مهملين لمراعاتكم،
ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك، لنزل بكم اللأواء،
واصطلمكم الأعداء. فاتقوا الله جل جلاله، وظاهرونا على انتياشكم من فتنة،
قد أنافت عليكم، يهلك فيها من حمَّ أجله، ويحمى عنها من
أدرك أمله. وهي إمارة لأزوف حركتنا، ومباثَّتكم
بأمرنا ونهينا، والله متم نوره ولو كره المشركون ].
إلى أن يقول: [فليعمل
كل امرئ منكم، بما يقربه من محبتنا، وليتجنب ما يدنيه من كراهتنا
وسخطنا، فان أمرنا بغتة فجأة، حين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من
عقابنا ندم على حوبة.
والله يلهمكم الرشد، ويلطف
لكم في التوفيق برحمته].
نسخة التوقيع باليد العليا،
على صاحبها السلام. [هذا كتابنا إليك،
أيها الأخ الولي، والمخلص في ودنا الصفي،
والناصر لنا الوفي. حرسك الله بعينه التي لا تنام. فاحتفظ به،
ولا تظهر على خطنا الذي سطرناه، بماله ضمَّناه
أحداً، وأد ما فيه إلى من تسكن إليه،
وأوص جماعتهم بالعمل عليه، إن شاء الله،
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين].
وأريد الآن الوقوف عند بعض
فقرات هذه الرسالة الجليلة، لنأخذ منها العظة والعبرة،
بمقدار المتيسر، وعلى التوكل، ومنه نستمد
الهداية والتوفيق.
شرح الرسالة
ويمكن أن نستفيد بهذا الصدد،
من بعض الشروحات التي بيَّنها شهيدنا الحبيب P،
في كتاب تأريخ الغيبة الكبرى، عند تحليله
لهذه الرسالة الشريفة. وسوف أذكر تلخيصاً لشرحه، مع بعض
التعليقات على ذلك من قبلنا، وذلك ضمن النقاط التالية:
التشريف بالمكاتبة
قوله D : [ قد أذن لنا
في تشريفك بالمكاتبة ].
قال شهيدنا
المقدس:
[ فإن المهدي D لا يقوم بالعمل إلا بإذن الله تعالى، وحيث صدر
الإذن بإرسال هذا الكتاب، فقد تصدى المهدي لإرساله][[1]].
أقول: أي أن كل عمل
يقوم به الإمام D، لا يكون إلا بإذن الله
سبحانه وتعالى، ولابد من كونه مطابقاً للحكمة الإلهية. ولا يمكن لأعماله أو
تصرفاته، أن تكون عشوائية، أو بحسب ما يشخصه هو D بالاستقلال عن
التأييد الإلهي. فتكون كل أعماله، محلاً للتسديد والتأييد من قبل الله سبحانه
وتعالى.
وقد حصل الإذن الإلهي هنا،
لكي يكتب الإمام D للشيخ المفيد S. وهذا وإن
اقتضته المصلحة العامة، لإيصال التعاليم إلى الأمة وهدايتها وتربيتها بالمقدار
الذي تستحقه، إلا أنه يدل أيضاً، على الاستحقاق العالي، والأهلية التي وفق لها الشيخ
المفيد P، حتى اختاره الله سبحانه وتعالى لأن يكون محلاً
لهذه التشريف.
معنى الإذن
قال شهيدنا
المقدس:
[ولفهم هذا الإذن أطروحتان:
الأولى : صدور الإذن
المباشر من قبل الله عز وجل في كل واقعة واقعة. ذلك الإذن المستفاد بالإلهام ونحوه
من مراتب العلوم، التي يختص بها الإمام المعصوم D كما دلت عليه
بعض الأخبار.
الثانية: الإذن الإلهي
المستفاد من بعض القواعد العامة التي يعرفها المهدي D، ويستطيع
تطبيقها في كل مورد. تلك القواعد التي نعبر عنها باقتضاء المصلحة الإسلامية لشيء
من الأشياء. فإذا أحرز المهدي D وجود المصلحة
في المراسلة مثلاً، فقد أحرز وجود الإذن الإلهي بالعمل على طبق تلك المصلحة. ومعه
يكون سبب الإذن، هو وجود المصلحة ليس إلا، من دون إذن مباشر، كما قالت الأطروحة
الأولى.
وترجيح إحدى الأطروحتين على
الأخرى موكول إلى القارئ][[2]].
أقول: إن هذا الإذن
الذي يتحدث عنه P، هو ما أشار له الإمام D في مطلع رسالته
بقوله: "قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة". والآذن هو الله سبحانه
وتعالى، والمأذون له هو الإمام D، والمتشرف بهذه
المكاتبة هو الشيخ المفيد P.
وهذا الإذن قد حصل عن طريق
الإلهام المباشر من قبل الله سبحانه وتعالى للإمام D، باعتباره أحد
الأئمة المعصومين المسددين من قبل الله سبحانه وتعالى بالإلهام، وفق المراتب
العليا للإلهام، والتي تخصهم وهم يفهمونها بشكلها الحقيقي، وذلك وفقاً للأطروحة
الأولى.
أو يمكن أن يفهم من الإذن،
هو التخويل المسبق من قبل الله سبحانه وتعالى للإمام D، بالقيام
بالكثير من الأمور على اختلاف المواضيع عند تحققها. ومنها على سبيل المثال ما نحن
بصدده، أي إذا اقتضت المصلحة العامة أن يكتب الإمام المهدي D للأمة ما
ينفعها من الوصايا والتعاليم، فإنه يفعل ذلك عبر قناة مؤهلة لهذا التشريف، فكان
ذلك عن طريق الشيخ المفيد P.
وبحسب فهمي كأطروحة فإن
شهيدنا المقدس يرجح الأطروحة الأولى. لأنها هي الأنسب مع مقام الأئمة G، وتواصل
التأييد والتسديد الإلهيين لهم في كل وقت.
العزة بطاعة الله تعالى
قوله D : [أعزهم الله
بطاعته].
قال شهيدنا
المقدس:
[وهو تنبيه إلى استلزام الخروج عن طاعة الله تعالى للذل والصغار، واستلزام
الالتزام بها للعز والشرف. فيجب الخروج من ذل معصية الله، والدخول في عز طاعة الله
تعالى.
وذلك واضح جداً بحسب مفاهيم
الإسلام، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. والخضوع لله تعالى هو الخضوع للحق من
ناحية، وخضوع مجانس لما خضع له الكون كله، وهو القدرة الأزلية والحكمة اللانهائية،
وكلا الأمرين عدل وحق، بمنطق العقل الصحيح][[3]].
أقول: وهذه العبارة على
اختصارها من قبل الإمام D إلا أنها تحمل
معنى عظيماً، من أن العزة الحقيقية والواقعية، إنما تكون بالالتزام بطاعة الله
سبحانه وتعالى، وعدم الخروج عن تعاليمه المقدسة. فإن أي خروج عن طاعة الله سبحانه
وتعالى، فإن معناه الوقوع في شرك النفس الأمارة بالسوء، وحبائل الشيطان بكل تأكيد.
وإذا صار الإنسان أسيراً
لأهوائه وملذاته الدنيوية، وتابعاً لما يسول له الشيطان، فقد لوَّث فطرته النظيفة
التي فطر عليها. وأذل نفسه أكيداً بعد أن أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون عزيزة
بعزته. كما جاء في الدعاء: "وأولياؤه بعزه يعتزون"[[4]].
وكأن الإمام D وبهذه الكلمة، يريد أن يشير إلى قول أمير المؤمنين D : [من أراد
عزاً بلا عشيرة، وهيبة من غير سلطان، وغنى من غير مال، وطاعة من غير بذل، فليتحول
من ذل معصية الله إلى عز طاعته، فإنه يجد ذلك كله].
وهذا المعنى كما يكون على
المستوى الفردي، بحيث يذل الفرد إذا ترك طاعة الله سبحانه وتعالى، فإنه يكون على
المستوى الاجتماعي أيضاً. فإن المجتمع عموماً إذا اتجه نحو العصيان والرذيلة
والعياذ بالله، فإنه يتدنى إلى نتائج سيئة يصل بعدها إلى الذل والصغار. فيكون
المجتمع عموماً ذليلاً، يطمع فيه كل الأعداء أكيداً. وهذا ما بيَّنه الإمام المهدي
في نفس الرسالة حيث يقول: [ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم، مذ جنح كثير منكم إلى ما
كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم، كأنهم لا
يعلمون].
فإن المجتمع لم يصل إلى هذه
النتيجة إلا بعد تورطه بما كان يبتعد عنه السلف الصالح ونبذه للعهد.
ولنتأمل بما يعلق به شهيدنا
الحبيب P على هذه العبارة، حيث يقول: [فإن السلف الصالح كان
عزيزاً بطاعة الله تعالى والالتزام بتعاليمه، وكان شاسعاً - أي بعيداً - عن معصية
الله عز وجل. وكان ملتزماً بالعهد الذي قطعوه أمام ربهم بالطاعة، بصفتهم مسلمين
إليه عارفين بأهمية تعاليمه.
فلما اتجه الخلف إلى ما كان
السلف مبتعداً عنه، وهو المعصية ومخالفة التعاليم الإسلامية، أصبحوا أذلاء أمام مقتضيات
الانحراف والمصالح الخاصة، وبالتالي أمام أعداء الحق والإسلام. فأصبحوا مقصرين
تجاه دينهم، وعهد ربهم وأمتهم وأنفسهم.
ومن هنا نشعر - من وراء
التعبير - بالمرارة والأسف الذي يعتلج في نفس الإمام المهدي D من هذا
الانحراف][[5]].
سكنى الإمام D
قوله D : [نحن وإن كنا
ثاوين عنكم بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من
الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين].
قال شهيدنا
المقدس:
[وهذا البعد عن مساكن
الظالمين، لا ينافي أياً من الأطروحتين الرئيسيتين، وكأن في هذا امتثالاً للأمر
الذي ذكره المهدي لعلي بن مهزيار، عن والده D ، في أن يسكن
أقاصي الأرض وقفارها. وهو في ذلك المكان النائي يمكن أن يكون مختفي الشخص، طبقاً
لأطروحة خفاء الشخص، أو ظاهر الشخص، طبقاً لأطروحة خفاء العنوان.
وإذا كان مناسباً مع كلا
الأطروحتين، لم يكن نافياً لأي منهما، ولا معيناً لإحداهما. وإن كان لا يخلو - على
كلا الأطروحتين - من بعض المناقشات، التي لا مجال للدخول في تفاصيلها][[6]].
أقول: وقوله P : [وهذا البعد
عن مساكن الظالمين، لا ينافي أياً من الأطروحتين الرئيسيتين] أي أن تواجد الإمام D في الأماكن
البعيدة عن مساكن الظالمين، لا ينافي أطروحة خفاء الشخص، ولا أطروحة خفاء العنوان.
والمراد بأطروحة خفاء الشخص،
هو اختفاؤه D عن الأنظار بالمعجزة، فإن رؤيته متعذرة حتى لو كان
يعيش في وسط المجتمع.
وأما أطروحة خفاء العنوان،
فبمعنى أن يعيش الإمام D، ويمكن للآخرين
رؤيته من دون التعرف عليه بشخصيته الحقيقية، وإنما يعيش بينهم بصفة أخرى وباسم
آخر، وقد يتخذ لنفسه مختلف الأعمال والنشاطات، الدينية أو الاجتماعية أو السياسية
أو الاقتصادية أو غير ذلك.
فلا تنافي بين أية واحدة من
الأطروحتين، وبين تواجد الإمام ومسكنه في هذه الأماكن البعيدة.
فيمكنه أن يعيش في هذه
الأماكن وهو مختف بالمعجزة، أو أن يعيش فيها ويمكن رؤيته، ولكنه يعيش بعنوان آخر.
وقوله P : [وكأن في هذا
امتثالاً للأمر الذي ذكره المهدي لعلي بن مهزيار عن والده D] أي أن الإمام D قد اتخذ من هذه
الأماكن البعيدة موطناً له، استجابة لأمر أبيه الإمام الحسن العسكري D . وذلك بحسب ما
أخبر به الإمام المهدي D علي بن مهزيار
عن ذلك، في الخبر الذي يرويه هو عن تشرفه بلقاء الإمام [عجل الله تعالى فرجه
الشريف]. وهو الخبر الذي ترويه الكثير من المصادر ومنها بحار المجلسي.
لقاء الإمام D بعلي بن مهزيار
وأود هنا أن أذكر هذا الخبر
لما فيه من الدروس والعبر. فقد ورد في -بحار الأنوار- للعلامة المجلسي ج 25 ص 9:
عن حبيب بن محمد بن يونس بن
شاذان الصنعاني قال: دخلت إلى علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، فسألته عن آل
أبي محمد D ، قال: يا أخي لقد سألت عن أمر عظيم. حججت عشرين
حجة أطلب به عيان الإمام، فلم أجد إلى ذلك سبيلاً.
فبينا أنا ليلة نائم في
مرقدي، إذ رأيت قائلاً يقول: يا علي بن إبراهيم، قد أذن الله لي في الحج، فلم أعقل
ليلتي حتى أصبحت، فأنا مفكر في أمري، أرقب الموسم ليلي ونهاري.
فلما كان وقت الموسم أصلحت
أمري، وخرجت متوجهاً نحو المدينة. فما زلت كذلك حتى دخلت يثرب. فسألت عن آل أبي
محمد D ، فلم أجد له أثراً ولا سمعت له خبراً. فأقمت
مفكراً في أمري حتى خرجت من المدينة أريد مكة، فدخلت الجحفة وأقمت بها يوماً،
وخرجت منها متوجهاً نحو الغدير، وهو على أربعة أميال من الجحفة. فلما أن دخلت
المسجد صليت وعفرت واجتهدت في الدعاء ، وابتهلت إلى الله لهم، وخرجت أريد عسفان.
فمازلت كذلك حتى دخلت مكة، فأقمت بها أياماً أطوف البيت واعتكفت.
فبينا أنا ليلة في الطواف،
إذا أنا بفتى حسن الوجه، طيب الرائحة، يتبختر في مشيته، طائف حول البيت، فحس قلبي
به، فقمت نحوه فحككته، فقال لي: من أين الرجل؟ فقلت: من أهل العراق. فقال لي: من
أي العراق ؟ قلت: من الأهواز. فقال لي: تعرف بها [ابن] الخضيب ؟ فقلت: رحمه الله
دعي فأجاب. فقال: رحمه الله، فما كان أطول ليلته، وأكثر تبتله، وأغزر دمعته.
أفتعرف علي بن إبراهيم المازيار؟ فقلت: أنا علي بن إبراهيم. فقال: حياك الله أبا
الحسن، ما فعلت بالعلامة التي بينك وبين أبي محمد الحسن بن علي؟ فقلت: معي. قال:
أخرجها. فأدخلت يدي في جيبي فاستخرجتها، فلما أن رآها لم يتمالك أن تغرغرت عيناه
وبكى منتحباً حتى بلَّ أطماره، ثم قال : أذن لك الآن يا ابن المازيار، صر إلى
رحلك، وكن على أهبة من أمرك، حتى إذا لبس الليل جلبابه وغمر الناس ظلامه، صر إلى
شعب بني عامر! فانك ستلقاني هناك.
فصرت إلى منزلي، فلما أن
حسست بالوقت، أصلحت رحلي وقدمت راحلتي، وعكمتها شديداً، وحملت وصرت في متنه،
وأقبلت مجداً في السير حتى وردت الشعب. فإذا أنا بالفتى قائم ينادي: إليَّ يا أبا
الحسن إليَّ، فما زلت نحوه. فلما قربت بدأني بالسلام وقال لي: سر بنا يا أخ . فما
زال يحدثني وأحدثه حتى تخرقنا جبال عرفات، وسرنا إلى جبال منى، وانفجر الفجر
الأول، ونحن قد توسطنا جبال الطائف. فلما أن كان هناك، أمرني بالنزول وقال لي:
انزل فصل صلاة الليل، فصليت وأمرني بالوتر فأوترت، وكانت فائدة منه. ثم أمرني
بالسجود والتعقيب، ثم فرغ من صلاته وركب وأمرني بالركوب وسار وسرت معه حتى علا
ذروة الطائف، فقال: هل ترى شيئاً؟ قلت: نعم أرى كثيب رمل، عليه بيت شعر، يتوقد
البيت نوراً. فلما أن رأيته طابت نفسي، فقال لي: هناك الأمل والرجاء. ثم قال: سر
بنا يا أخ، فسار وسرت بمسيره إلى أن انحدر من الذروة، وسار في أسفله، فقال: انزل
فههنا يذل كل صعب، ويخضع كل جبار. ثم قال: خل عن زمام الناقة. قلت : فعلى من أخلفها
؟ فقال: حرم القائم D، لا يدخله إلا مؤمن ولا
يخرج منه إلا مؤمن، فخليت عن زمام راحلتي ، وسار وسرت معه إلى أن دنا من باب
الخباء، فسبقني بالدخول ، وأمرني أن أقف حتى يخرج إليَّ. ثم قال لي: أدخل هنأك
السلامة.
فدخلت فإذا أنا به جالس، قد
اتشح ببردة واتزر بأخرى، وقد كسر بردته على عاتقه، وهو كأقحوانة أرجوان، قد تكاثف
عليها الندى، وأصابها ألم الهوى. وإذا هو كغصن بان أو قضيب ريحان، سمح سخي، تقي
نقي، ليس بالطويل الشامخ، ولا بالقصير اللازق، بل مربوع القامة، مدور الهامة، صلت
الجبين، أزج الحاجبين، أقني الأنف، سهل الخدين، على خده الأيمن خال، كأنه فتات مسك
على رضراضة عنبر.
فلما أن رأيته بدرته
بالسلام، فرد عليَّ أحسن ما سلَّمت عليه، وشافهني وسألني عن أهل العراق. فقلت:
سيدي قد ألبسوا جلباب الذلة ، وهم بين القوم أذلاء. فقال لي: يا ابن المازيار
لتملكونهم كما ملكوكم، وهم يومئذ أذلاء.
فقلت : سيدي لقد بعد
الوطن وطال المطلب. فقال: يا ابن المازيار، أبي أبو محمد، عهد إليَّ أن لا أجاور
قوماً غضب الله عليهم، ولهم الخزي في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب أليم. وأمرني أن
لا أسكن من الجبال إلا وعرها، ومن البلاد إلا قفرها، والله مولاكم أظهر التقية
فوكلها بي، فأنا في التقية إلى يوم يؤذن لي فأخرج. فقلت: يا سيدي متى يكون هذا
الأمر؟ فقال: إذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة، واجتمع الشمس والقمر، واستدار بهما
الكواكب والنجوم، فقلت: متى يا ابن رسول الله، فقال لي: في سنة كذا وكذا، تخرج
دابة الأرض من بين الصفا والمروة، ومعه عصا موسى، وخاتم سليمان، تسوق الناس إلى
المحشر.
قال : فأقمت عنده
أياماً، وأذن لي بالخروج بعد أن استقصيت لنفسي، و خرجت نحو منزلي، والله لقد سرت
من مكة إلى الكوفة، ومعي غلام يخدمني، فلم أر إلا خيراً، وصلى الله على محمد وآله
وسلم تسليماً.
دروس وعبر
وأريد أن أعلق على هذه
الرواية ببعض التعليقات:
أولاً: إن علي بن
مهزيار يقول: [حججت عشرين حجة أطلب به عيان الإمام، فلم أجد إلى ذلك سبيلاً] أي
أنه كان يجهد نفسه ويتعبها بالعبادة، وتكثيف الطاعات لله سبحانه وتعالى، لكي يكون
مؤهلاً لرؤية الإمام المهدي D ولقائه، وهو مع
ما عليه من الصلاح والتقوى. وقد طال به الزمن، ومن دون ملل ولا كلل، إلى عشرين سنة
يكمِّل نفسه، ويبنيها البناء الذي يستحق بعده التشرف بلقاء الإمام D.
وقد حصل على مراده بعد هذا
الجهد المتواصل الذي بذله، وبعد ما كان عليه من شحذ الهمة، وزيادة الطاعة، وصدق
النية وإخلاصها.
وهذا يدل بوضوح من أن هذا
الشرف، لا يصل إليه إلا ذو حظ عظيم. وليس الأمر كما يدعي بعض من لا خلاق لهم،
بأنهم يتصلون بالإمام D ويرونه ويكلفهم
ببعض التكاليف الخاصة، ويوصل لهم بعض التعاليم إلى المجتمع. وهم كاذبون، ولم
يعرفوا بأي تميز من ناحية التربية والأخلاق والزهد والإعراض عن الدنيا. بل إنهم يدَّعون
ذلك طلباً للدنيا، ولأجل الضحك على بعض العقول البسيطة، للوصول من خلالهم إلى
الشهرة أو المال أو المطامع الدنيوية.
فعلى الجميع أن يحذروا من
أمثال هؤلاء، وأن يقابلوهم بالتكذيب وبيان زيف مدعياتهم، لأن ذلك من أبواب السوء
التي يستغلها الكثير من الناس، وقد يستغلها الاستعمار نفسه، لأجل الوصول إلى
غاياته الخبيثة عن طريق هؤلاء.
ولا يمكن أن يتشرف أحد
بمقابلة الإمام D إلا إذا كان من خاصة
الخلق، وهم النادر الأندر، والأقل من الشمع الأحمر، بل إن بعض الروايات تشير إلى
أنهم ثلاثون شخصاً من كل جيل[[7]].
وهؤلاء لا يخبرون الآخرين
بهذا اللقاء، وإنما هو من الأسرار الإلهية التي يحرم عليهم البوح بها، ولا يوفق
لذلك إلا المتصف بصفة الكتمان والسرية، وأنه لا يخبر به أحداً حتى لو قطع
بالمناشير.
ثانياً: إن هذا الفتى
الذي تذكره الرواية هو ممن يقومون بخدمة الإمام D ، ومن
الملازمين له. ويبدو أنه على إطلاع واسع بالكثير من شؤون المجتمع، بما في ذلك
معرفته ومتابعته لأخبار الصالحين والمؤمنين ، وهذا ما يدل عليه قوله في الرواية
لعلي بن مهزيار : [تعرف بها [ابن] الخضيب ؟ فقلت : رحمه الله دعي فأجاب، فقال :
رحمه الله، فما كان أطول ليلته، وأكثر تبتله، وأغزر دمعته، أفتعرف علي بن إبراهيم
المازيار ؟ فقلت: أنا علي بن إبراهيم. فقال: حياك الله أبا الحسن ما فعلت بالعلامة
التي بينك وبين أبي محمد الحسن بن علي؟ فقلت : معي. قال : أخرجها. فأدخلت يدي في
جيبي فاستخرجتها، فلما أن رآها لم يتمالك أن تغرغرت عيناه، وبكى منتحباً حتى بلَّ
أطماره، ثم قال : أذن لك الآن يا ابن المازيار، صر إلى رحلك، وكن على أهبة من أمرك]
وقد يكون تتبعه للمؤمنين من جملة المهام المكلف بها من قبل الإمام D.
وما يدل على صلاحه وعلو
شأنه، هو ردة فعله عندما رأى تلك العلامة التي عند ابن مهزيار من قبل الإمام
العسكري D ، وهو أن تغرغرت عيناه بالدمع، وبكى منتحباً حتى بلَّ
أطماره، لشدة حبه وتعلقه بأهل البيت D. وهو يدل على
مستوى عالٍ من الخشوع ومن رقة القلب، وهي من أعلى صفات المؤمنين.
ثالثاً: إن هذه الوصية
من قبل الإمام الحسن العسكري D ، للإمام
المهدي D، لهي من ضمن مسؤولياته التي أنيطت به، تجاه الدين
وتجاه ولده.
فإن المسؤولية الملقاة على
عاتق الإمام العسكري D تجاه ذلك عظيمة وحساسة
جداً، لأنه الأب المباشر للمهدي D ، ومن بعده
مباشرة تبدأ إمامة المهدي D، بما يحيطها من
الكتمان والسرية والغموض، والأمور البعيدة عن متناول الكثير من الناس، ممن يرتبط
بالأمور المادية والحسية أكثر.
فكانت من الأمور التي يجب
على الإمام العسكري D أن يقوم بها، هي أن يمهد
لغيبة ولده، لكي يتقبل المجتمع هذه الحالة، ولا يفاجئ بها، فتكون عنده هزة عنيفة
يصعب تحملها.
فقام D بالكثير من
الخطوات التي تمهد إلى ذلك، ومنها كثرة احتجابه عن الناس واتصاله بهم عن طريق
الوكلاء، وإيصال تعاليمه بواسطة الاستفتاءات. وكل ذلك تمهيداً لغيبة ولده، واتصاله
بالناس عن طريق السفراء، وبث تعاليمه لهم بواسطة التواقيع التي كانت تخرج من
الناحية المقدسة.
وكان من جملة المهام التي
أنيطت بالإمام الحسن العسكري D ، هو حفاظه على
سلامة وحياة ولده، لأنه الرجل الموعود المدخر للقيام باليوم الموعود، الذي يقيم
فيه دولة العدل، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن تملأ ظلماً وجوراً.
والحفاظ على حياة الإمام
المهدي D من الأمور المهمة جداً، التي خططت لها الحكمة
الإلهية، والتي بذل الإمام الحسن العسكري تجاهها أقصى الجهود.
فيتحتم عليه القيام بأمرين
مهمين وحساسين، يمثلان معادلة حساسة جداً، يصعب القيام بها بنجاح.
فهو من ناحية يتحتم عليه
الحفاظ على حياة ولده من كيد الأعداء والظالمين، لادخاره للفتح العالمي في آخر
الزمان. ومن ناحية أخرى يتحتم عليه أن يعرِّفه إلى بعض خاصته، لكي لا يضيع خبر
وجوده، وينقطع النص الإلهي بتعيينه والإشارة إليه. وقد قام بكل ذلك على أكمل وجه.
وكان من جملة الأساليب التي
أراد بها حفظ حياة ولده، هو الوصية له بما ذكره الإمام المهدي D لعلي بن
مهزيار: [يا ابن المازيار، أبي أبو محمد، عهد إليَّ أن لا أجاور قوماً غضب الله
عليهم، ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم، وأمرني أن لا أسكن من الجبال
إلا وعرها، ومن البلاد إلا قفرها].
تنبيهات
بقيت بعض الأمور التي أود
بيانها، فيما يتعلق بما نحن في صدد الحديث عنه:
أولاً: إن البعد عن
مساكن الظالمين، الذي أمر به الإمام المهدي[عجل الله فرجها الشريف] من قبل والده
الإمام الحسن العسكري D، هو أمر مؤقت
يتعلق في بدايات الغيبة، ولا يشمل الغيبة كلها. بل يكون الأمر بذلك حفاظاً على
حياة الإمام المهدي D ، وإبعاده عن المخاطر.
وهذا الخطر يزول أو يقل
تدريجاً كلما امتد العمر بالإمام، لعدم تعرف الناس عليه بعد ذلك أكيداً، سواءً
قلنا بأطروحة خفاء الشخص، فلا يمكن للناس رؤيته والتعرف عليه فلا يحتاج إلى السكن
البعيد أصلاً. أو قلنا بأطروحة خفاء العنوان، فلا يمكن للأجيال البعيدة عن بدأ
الغيبة أن يتعرفوا عليه، لأنهم يجهلون شكله وأوصافه الحقيقية ، فيمكنه حينئذ أن
يعيش في وسطهم بصفة أخرى وبإسم آخر، ولا يكون في ذلك متعرضاً للخطر. ومعه فلا
يحتاج إلى السكن في الأماكن البعيدة.
ثانياً: قال شهيدنا
المقدس في نفس النقطة: [وإذا كان مناسباً مع كلا الأطروحتين لم يكن نافياً لأي
منهما، ولا معيِّناً لإحداهما. وإن كان لا يخلو - على كلا الأطروحتين - من بعض
المناقشات، التي لا مجال للدخول في تفاصيلها].
فإنه P يريد من ذلك أن هذا البعد يتناسب مع كلا
الأطروحتين، فلا نستطيع أن ننفي إحداهما، كم أننا لا نستطيع أن نعين إحداهما،
ونقول أنها هي المتعينة. فكلاهما محتمل على أي حال.
مع الإلتفات إلى أننا يمكن
أن نُشكل على الأطروحة الأولى، بأن خفاء الشخص لا يضره العيش قريباً من المجتمع،
مادام مختفياً عن أنظار الناس بالمعجزة. كما أننا يمكن أن نُشكل على الأطروحة
الثانية، وهي خفاء العنوان ، بأنه إن كان يعيش بعيداً عن الناس، فلا يحتاج إلى أن
يعيش بصفة أخرى، لأنه في أمان من الناس بالإبتعاد عنهم، فلا حاجة إلى أطروحة خفاء
العنوان.
ويمكن أن نجيب على الإشكال
الأول، بأن المقصود أولاً من هذه الوصية، وعلى وجه الخصوص، هو فترة الغيبة الصغرى،
مع العلم أن الإمام D كان يلتقي بالسفراء
الأربعة خلالها، فإذا كان في بعض الأحيان مختفياً بالمعجزة فإنه لابد له من الظهور
لسفرائه للإلتقاء بهم، والإستماع لهم، وتبليغهم الأحكام. فلابد من وجود مكان بعيد
يسكن فيه، للإلتقاء بالسفراء لا أقل.
ويمكن أن نجيب على الإشكال
الثاني، بأنه يحتاج عند أطروحة خفاء العنوان، إلى هذا المكان لقربه من الجيل الذي
ولد فيه، فلابد من زيادة الحيطة والحذر، واتخاذ أكثر من وسيلة لحفظ غيبته، كتبديل
صفته وعنوانه، وتوطنه في مكان بعيد عن مساكن الظالمين.
وهذا ما قد يكون المراد من
قوله P : [وإن كان لا يخلو -على كلا الأطروحتين - من بعض
المناقشات، التي لا مجال للدخول في تفاصيلها].
ثالثاً: إنه P قال في نفس النقطة: [وهذا الصلاح الذي يشير إليه
في هذه العبارة، يمت في الحقيقة إلى أصل الغيبة بصلة، لا إلى مجرد النأي في
المكان، وإنما أخذ ذلك في السياق استطراقاً إلى الإشارة إلى مفهوم الغيبة نفسه.
ومعه فالصلاح الذي رآه الله تعالى للمهدي وللمؤمنين به، إنما هو في الغيبة نفسها.
وهذا ما سيأتي تفصيله في القسم الثاني من هذا التاريخ][[8]].
ومراده P من هذا الصلاح،
هو ما ذكره الإمام المهدي [عجل الله فرجه] بقوله : [نحن وإن كنا
ثاوين عنكم بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين ، حسب الذي أرانا الله تعالى لنا من
الصلاح، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين].
فإن الكلام يحتمل أحد
وجهين:
أحدهما: إن هذا الصلاح،
هو في نفس ابتعاد الإمام واستقراره بمكان نائٍ عن مساكن الظالمين. فقد اقتضت
الحكمة الإلهية ذلك، حفاظاً على حياة الإمام، وقد سار الإمام D باتجاه ما
تريده الحكمة الإلهية. وامتثل للأمر الإلهي الموجه إليه إما بالمباشرة، أو عن طريق
والده الإمام العسكري D.
ثانيهما: إن الصلاح هو
في أصل الغيبة التي أرادها الله سبحانه وتعالى للإمام، حفاظاً على سلامته وحياته،
وأنه يتوصل إلى الغيبة وإلى الصلاح الذي أريد له من خلالها، عن طريق عدة وسائل،
والتي منها سكنه بعيداً عن مساكن الظالمين.
وقد رجَّح شهيدنا الحبيب D الوجه الثاني
بحسب كلامه الأخير.
رابعاً: إننا قد نفهم
من ابتعاد الإمام D في مسكنه، أنه علامة على
غضب الله سبحانه وتعالى على المجتمع الرافض له، وخصوصاً الظالمين منهم من الحكام
والطواغيت، على غرار ما كان يفعله بعض الأنبياء G إطاعة لأمر الله سبحانه وتعالى، بابتعادهم عن
قومهم حينما يشتد عليهم غضب الله سبحانه وتعالى، وعندما لم يحفظوا لأولئك الأنبياء
حرمة، ويعاندونهم ولا يتقبلون الهداية منهم.
ونحن نعلم أن من أسباب
الغيبة هو نفس المجتمع، بتضييع الأعم الأغلب منهم للإمام وعدم إتباعه، وإتباع
النفس الأمارة بالسوء، فلابد من مضاعفة العقوبة عليهم بعدة أشكال، والتي منها نفس
الغيبة، ومنها ابتعاد الإمام عن مساكنهم مضافاً إلى الغيبة.
مع الإلتفات إلى ما يسببه
الإمام من نزول الخير والبركة في الأماكن التي يسكن قريباً منها، فيكونون غير
مستحقين لذلك، فيبعد الله تعالى عنهم الإمام D.
وبالتدريج وعندما ينتهي ذلك
الجيل، أو تنتهي عدة أجيال قريبة من بدأ الغيبة، تكون الأجيال اللاحقة غير مستحقة
إلى حد ما لهذه العقوبات المضاعفة، فيخفف عنهم بتواجد الإمام D قريباً منهم.
وهذا ما قد يفسر لنا تواجده في أماكن متعددة، فلعل من أسباب ذلك أن يعم بخيره
وبركاته الجميع.
ومع ذلك كله يبقى المجتمع
عموماً غير مستحق لظهوره، وتلقي الخير منه بشكل مباشر، لأنه لم يتكامل بالمستوى
اللائق والمطلوب.
ولا بأس هنا أن نذكر هذه
الرواية التي يرويها شهيدنا المقدس عن والده P، لأخذ العظة
والعبرة:
وحاصلها: إن الناس في
البحرين في بعض الأزمنة لمقدار إحساسهم بالظلم وتعسف الظالمين. تمنوا ظهور إمامهم
المهدي D بالسيف،
ظهوراً عالمياً عاماً، لكي يجتث أساس الظلم، لا من بلادهم فحسب، بل من العالم كله.
فاتفقوا على اختيار جماعة
من أعاظمهم زهداً وورعاً وعلماً ووثاقة، فاجتمع هؤلاء واختاروا ثلاثة منهم، واجتمع
هؤلاء واختاروا واحداً هو أفضلهم على الإطلاق، ليكون هو واسطتهم في الطلب إلى
المهدي بالظهور.
فخرج هذا الشخص المختار إلى
الضواحي والصحراء، وأخذ بالتعبد والتوسل إلى الله تعالى وإلى المهدي D، بأن يقوم
بالسيف ويظهر، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. وقضى في ذلك ثلاثة
أيام بلياليها.
فلما كانت الليلة الأخيرة،
أقبل شخص وعرَّفه بنفسه أنه هو المهدي المنتظر، وقد جاء إجابة لطلبه. وسأله عن
حاجته، فأخبره الرجل بأن قواعده الشعبية ومواليه، في أشد التلهف والإنتظار إلى
ظهوره وقيام نوره. فأوعز إليه المهدي D أن يبكر في غد
إلى مكان عام عيَّنه له، ويأخذ معه عدداً من الغنم في الطابق الثاني على السطح،
ويعلن في الناس أن المهدي سيأتي بعد ساعة معينة، وعليهم أن يجتمعوا في أرض ذلك
المكان. وقال له المهدي D أيضاً: إنني
سأكون على السطح في ذلك الحين.
وامتثل الرجل هذا الأمر،
وحلَّت الساعة الموعودة، وكان الناس متجمهرين في المكان المعين على الأرض، وكان
المهدي D مع هذا الرجل وغنمه على السطح.
وهنا ذكر المهدي D اسم شخص، وطلب
من الرجل أن يطل على الجماهير ويأمره بالحضور. فامتثل الأمر وأطلَّ على الجمع
ونادى باسم ذلك الرجل… فسمع الناس وصعد الرجل على السطح. وبمجرد وصوله أمر المهدي D صاحبنا أن يذبح
واحداً من غنمه قرب الميزاب، فلما رأى الناس إلى الدم ينزل من الميزاب بغزارة،
فاعتقدوا جازمين بأن المهدي D أمر بذبح هذا
الرجل الذي ناداه.
ثم نادى المهديD بنفس الطريقة
رجلاً آخر، وكان أيضاً من الأخيار الورعين. فصعد مضحياً بنفسه واضعاً في ذهنه
الذبح أمام الميزاب، وبعد أن وصل إلى السطح نزل الدم من الميزاب. ثم نادى شخصاً
ثالثاً ورابعاً. وهنا أصبح الناس يرفضون الصعود، بعد أن تأكدوا أن كل من يصعد
سيراق دمه من الميزاب. وأصبحوا يفضلون حياتهم على أمر إمامهم.
وهنا التفت المهدي D إلى صاحبنا،
وأفهمه بأنه معذور في عدم الظهور، ما دام الناس على هذا الحال[[9]].
المحصلة
إذن، فإن اللازم علينا ليس
هو طلب الفرج بظهور الإمام D فقط، وإنما
علينا أن نعد أنفسنا من ناحية تكاملية لأجل ذلك. لأن هذا الدعاء غير مستجاب أكيداً
مع عدم تقديم المقدمات اللازمة له، وتهيئة الأرضية المناسبة لتقبل الظهور، ولكي
تتم الشروط اللازم توفرها للظهور، والتي تحقق منها شرطان، وبقي الشرط الثالث
المرتبط بنا، وهو وجود الناصرين المنفذين بين يدي ذلك القائد الواحد.
وهذا الشرط لا يحصل بالجبر
أو بالمعجزة، وإنما يحصل بشحذ الهمة، وقوة الإيمان، وزيادة الإخلاص والتكامل. بعد
أن منَّ الله سبحانه وتعالى علينا بتحقيق الشرطين الأولين وهما:
وجود الشريعة العادلة
الكاملة، التي تمثل العدل المحض الواقعي، والقابلة للتطبيق في كل الأمكنة
والأزمنة، والتي تضمن للبشرية جمعاء، السعادة والرفاه في العاجل، والكمال البشري
المنشود في الآجل.
والشرط الثاني وهو وجود
القائد المحنك الكبير الذي له القابلية الكاملة لقيادة العالم كله.
والشرط الأول قد تحقق،
بنزول الرسالة الإسلامية بتفاصيلها، على يد منقذ البشرية من الضلال، رسول الله
محمد 9. وهي الشريعة الوحيدة التي تضمن سعادة البشرية
أكيداً في الدنيا والآخرة. وسوف تفشل وتتهاوى أمامها كل النظريات والأطروحات
والأنظمة الأخرى. كما حصل وسيحصل بإذن الله وحسن توفيقه.
والشرط الثاني، وقد تحقق
بوجود الإمام المهدي المنتظر D، القائد الرائد،
الذي يقود الفتح العالمي، ويطبق الإسلام على وجه المعمورة كلها.
ولم يبق إلا الشرط الثالث،
الذي يتحقق بهمة الغيارى من المؤمنين، بعد التوكل الحقيقي على الله سبحانه وتعالى،
وتعميق العلاقة به جل وعلا.
إحاطة الإمام المهدي D بالأنباء