مقدمة الكتاب
هذا
الكتاب الذي بين يديك، عبارة عن بحث قرآني تأريخي متواضع. تم فيه الحديث عن سياق
قرآني، يتحدث عن مرحلتين مهمتين، مرَّ بهما نبي الله موسى D ، وهما: مرحلة إعداده،
على صعيد بناء النفس وتكميلها. والمرحلة الثانية، هي مرحلة تصديه لقيادة المجتمع.
ومن
ثم انطباق ذلك على الواقع المعاصر، ومرور شخصية عظيمة معاصرة بكلا المرحلتين. وهي
شخصية شهيدنا الحبيب، الولي المعظم، الشهيد السعيد، السيد محمد الصدر P.
وتناولت
في ذلك شيئاً من الكلام عن مرحلة إعداده، بالمقدار الذي يمكن ذكره. ومن ثم تعرضت
إلى طرف من الحديث عن مرحلة تصديه إلى المجتمع، مع ذكر بعض المنجزات التي قام بها،
والأعمال العظيمة التي حققها.
مع
الإلتفات إلى أن ما ذكرته هنا، إنما هو بعض الأمور المتعلقة بهذا البحث المختصر،
فلا يعتبر هذا الكتاب من الكتب المختصة بالحديث عن حياته تفصيلاً. فإن هذا المستوى
من الكلام يحتاج إلى كتاب مستقل، يفوق هذا الكتاب سعة وتعمقاً، وهذا ما لم أوفق له
إلى الآن لعدة أسباب أعرض عن ذكرها الآن. ولربما يأتي اليوم لأجل صدور مثل ذلك،
إذا بقيت الحياة، وحصل الاستحقاق لهذا الشرف العظيم.
وبما
أن الحديث قد تم هنا عن بعض الإنجازات، فلا بأس إن وجد القارئ الكريم، ترك التعرض
إلى الكثير من الأمور المهمة والعظيمة، لأن هذا الكتاب، سوف لن يتكفل التفاصيل
كلها.
وهذا
المقدار القليل، قد يكفي للإشارة إلى جوانب رئيسية ومهمة في هذه الرحلة الشريفة.
وأما التفاصيل، فتكون في وقتها، بإذن الله وحسن تأييده.
اللهم
فكن أنيسي في وحشتي، ومقيل عثرتي، وغافر زلتي، وقابل توبتي، ومجيب دعوتي، وولي
عصمتي، ومغني فاقتي، ولا تقطعني عنك، ولا تبعدني منك، يا نعيمي وجنتي، ويا دنياي
وآخرتي، يا أرحم الراحمين.
أسعد الناصري
21 شعبان 1428
السياق القرآني
اقتطفت بعض
الآيات من القرآن الكريم،
لكي أحلل منها ما يرتبط
ببحثنا هذا إذا بقيت الحياة.
قال الله
سبحانه وتعالى في كتابه الكريم،
يقص علينا خطابه لنبيه موسى D : [وَلَقَدْ
مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنْ
اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ
بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ
مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ
وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى
قَدَرٍ يَامُوسَى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي
وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولاَ لَهُ
قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى][[1]]
ولا أريد هنا
الدخول في كل تفاصيل هذا السياق القرآني، وإنما أركز فقط على موضع الحاجة، مما يرتبط بمحل الحديث.
وأقتبس من هذا
السياق، قوله تعالى: [ولتصنع على عيني]، وقوله تعالى: [وفتناك فتونا]، وقوله تعالى: [واصطنعتك لنفسي]، وقوله تعالى: [اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى].
وعند التأمل في هذه الفقرات، نرى أن القيادة الإلهية المتمثلة آنذاك بموسى D ، قد مرت
بمرحلتين رئيسيتين:
المرحلة الأولى
: بناء النفس، وتكميلها بالصعود المعرفي في
سلم التكامل العالي، نحو الحق
المطلق.
المرحلة
الثانية: بناء الآخرين،
وتكميلهم، بعد إ نجاز ما عليه في المرحلة
الأولى، وتجاوزها بنجاح.
ومن دون إتمام
المرحلة الأولى بتفوق، لا يكون الفرد
مؤهلاً إلى هذه القيادة الدينية، ولا يكون بوسعه نفع الآخرين النفع الكامل
والمطلوب، وكما قالوا: فاقد الشيء لا يعطيه.
فلم يتصد موسى D، ولم يكلفه الله تعالى أصلاً بأي
مسؤولية، قيادية واجتماعية، إلا بعد تجاوزه للخطوة الأولى، التي بنى بها نفسه.
المرحلة الأولى
قال تعالى: [ولتصنع
على عيني].
قال الشيخ
الطوسي P في التبيان:
وقوله: [ولتصنع على عيني] قال قتادة: معناه التغذي على محبتي
وإرادتي، وتقديره وأنا أراك، يجري أمرك على ما أريد بك من الرفاهة في غذائك، كما
يقول القائل لغيره: أنت مني بمرءاً ومستمع، أي أنا مراع لأحوالك[[2]].
أقول: والتغذي
الذي أشار إليه الشيخ هنا،
الأعم من الغذاء المادي والمعنوي، بل إن
المناسب مع السياق ومع عظمة هذه المنة هو الغذاء المعنوي، وهو تكميله بالفضائل،
والصعود به إلى درجات عالية في الكمال، وبناؤه البناء الروحي، الذي يمكِّنه من تحمل مسؤولياته الدينية والاجتماعية، لكي يكون مستحقاً لنيل شرف حمل الرسالة الإلهية.
وقوله: [يجري أمرك على ما أريد بك]، أي أنك تتكامل التكامل العالي، الذي أريده لك، وأجده مناسباً لمصلحتك
الأخروية والمعنوية.
وأما قوله: من
الرفاهة في غذائك. فإن كان يقصد الرفاه من الناحية الدنيوية، فهو قابل للمناقشة، لأن الرفاه الدنيوي، لا ينتج النتائج المطلوبة من الناحية
المعنوية، بل لابد من مسلك الزهد،
والابتعاد عن الراحة الدنيوية،
والتضييق على النفس، لكي يحصل
المطلوب.
وقال السيد
الطباطبائي P في الميزان:
واللام في قوله: [ولتصنع على عيني] للغرض،
والجملة معطوفة على مقدر، والتقدير: ألقيت عليك محبة مني لأمور كذا وكذا، وليحسن
إليك على عيني، أي بمرأى مني فإني معك أراقب حالك ولا أغفل عنك لمزيد عنايتي بك
وشفقتي عليك[[3]].
أقول: أي أن
الله تعالى، في مقام بيان النعم التي امتنها
على عبده موسى D، في ظرف كان يعيش فيه المجتمع التقية المكثفة، وذلك لوجود الرقابة
المشددة من قبل رجال الدولة الحاكمة على النساء الحوامل، كما هو واضح تأريخياً. فخطط الله تعالى بحسب حكمته اللامتناهية، إلى نجاة موسى D ونشأته
حين طفولته في بيت عدوه، وقد حصل هذا الخرق لذلك الجبروت المزعوم، والسلطة الدنيوية التي ادعت لنفسها
سيطرتها على زمام الأمور، فأذل الله تعالى عدوه بغتة، وجاءه دمار ملكه من داخل بيته.
وهنا توجد بعض
الأسئلة، أطرح بعضها مع أجوبتها:
السؤال الأول:
إن الآية الكريمة، عبرت عن تربية
موسى D، وبنائه الروحي،
بالصناعة، ولم تعبر عنها بألفاظ أخرى
فلماذا؟
ويمكن أن يتحصل
جواب ذلك، بعد النظر إلى معنى الصنع: فقد
قال الراغب الأصفهاني في المفردات: صنع: الصنع إجادة الفعل، فكل صنع فعل وليس كل
فعل صنعاً، ولا ينسب إلى الحيوانات
والجمادات كما ينسب إليها الفعل، قال: [صنع الله الذي أتقن كل شيء] إلى أن يقول [الراغب]:
وقوله: [واصطنعتك لنفسي– ولتصنع
على عيني] إشارة إلى نحو ما قال بعض الحكماء: [إن الله تعالى إذا أحب عبداً تفقده
كما يتفقد الصديق صديقه][[4]]
انتهى كلام الراغب.
فإذا كان الصنع
هو إجادة الفعل، فقد عبَّر
بهذا التعبير، تأكيداً منه على عمق التربية
وأهميتها. فإنها فعل الله تعالى، مع عنايته وتركيزه، بشكل مكثف على هذه العناية.
والتفقد الذي
أشار إليه بعض الحكماء،
كما قال الراغب، يكون من قبل الله سبحانه وتعالى، لكل حركاته وسكناته،
وظاهره وباطنه، وسره وعلانيته، فهو معه، وعبده
تحت عنايته في كل نفس من أنفاسه،
لأهمية الدور الذي سوف يقوم به.
السؤال الثاني:
إن الآية الكريمة قالت: [ولتصنع على عيني]
ولم تذكر الصانع من هو؟
وفي جواب ذلك
عدة أطروحات:
الأطروحة
الأولى: إن الصانع هو الله تعالى بشكل مباشر، فهو مصدر الفيض، ومصدر العطاء، والمسبب الحقيقي لكل
تربية صالحة، وتكامل روحي.
الأطروحة
الثانية: إنه نور محمد 9، فهو المشكاة التي يقتبس منها جميع
الأنبياء والمرسلين، نورهم
وعطائهم.
الأطروحة
الثالثة: هو أمير المؤمنين D،
فإن الله تعالى، تعبَّد جميع الأنبياء والمرسلين السابقين، بولاية أمير المؤمنين D. وهو بروحه العليا، المؤيد والمسدد لكل ما قام به الأنبياء
السابقون، كما تدل على ذلك الكثير من
الروايات.
الأطروحة
الرابعة: أن ندمج بين الأطروحتين السابقتين، من حيث أن رسول الله 9، وأمير المؤمنين D، هما نور واحد، في قمة شاهقة فوق الدنيا والآخرة، فيكون ذلك النور، هو مصدر العطاء، ومصدر الفيض، لكل من هو دونهم،
بما فيهم الأنبياء G.
وعلى أي شكل من
الأشكال كان الأمر، فهو بعين الله
سبحانه وتعالى، وتحت عنايته وحفظه، وإشرافه المباشر.
ولعل الآية الكريمة قد تركت ذكر الفاعل، لكي يذهب بها الذهن كل مذهب، وتكون قابلة للانطباق على كل هذه الأطروحات وغيرها.
قوله تعالى: [وفتناك
فتونا].
قال صاحب
التبيان: وقوله: [وفتناك فتونا] أي اختبرناك
اختباراً. والمعنى إنا عاملناك
معاملة المختبر، حتى خلصت للاصطفاء بالرسالة.
فكل هذا من أكبر نعمه[[5]].
وقال صاحب
الميزان نقلاً عن الراغب: أصل الفتن،
إدخال الذهب النار، لتظهر جودته
من رداءته. واستعمل في إدخال الإنسان النار قال: [يوم هم على النار يفتنون]، [ذوقوا
فتنتكم] أي عذابكم. قال: وتارة
يسمون ما يحصل عنه العذاب فتنة،
فيستعمل فيه، نحو قوله: [ألا في الفتنة سقطوا]. وتارة في الاختبار، نحو [وفتناك فتونا]. وجعلت الفتنة كالبلاء، في أنهما تستعملان، فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء،
وهما في الشدة أظهر معنى،
وأكثر استعمالاً. وقد قال فيهما: [ونبلوكم بالشر والخير فتنة][[6]].
انتهى ما نقله صاحب الميزان عن الراغب.
أقول: أي أن
الإنسان، يمتحن ويبتلى بالشدائد
والصعوبات، كما أنه يبتلى بالنعم والرخاء
أيضاً، ليرى أنه يشكر أم يكفر.
بل، إن الإنسان ممتحن ومفتتن، في
كل نفس من أنفاسه، لأنه لا يخلو
من أن يكون في شدة يعانيها، أو
نعمة يتلذذ بها.
ولكن درجات
البلاء والفتنة تختلف، باختلاف
الأفراد. فكلما ارتفع الفرد في درجات
الكمال، كان استحقاقه للبلاء أكثر، أو
قل: زادت أهمية ودرجة بلائه،
لكي يصل إلى الدرجة التي بعدها،
ويبقى الكمال لا متناهي الدرجات. ولذا ورد عن أبي عبد الله D : [إن أشد الناس
بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل][[7]].
وكلما ادخر
الله تعالى الفرد لمهمة أعظم، أوقعه
في صعوبات وابتلاءات أكثر، كما قال تعال في شأن إبراهيم D: [وَإِذْ
ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي
الظَّالِمِينَ][[8]].
فهو لم يستحق منصب الإمامة،
إلا بعد إتمامه لتلك الكلمات،
ونجاحه في تلك الامتحانات،
التي مرَّ بها.
فإن قلت: إنه
قد يستفاد من قوله تعالى: [ولتصنع على عيني] أن هذه الصناعة وهذه التربية، هي التي أنتجت له درجة العصمة، وهذا
خلاف ما نعتقده، من أن المعصومين بالعصمة
الواجبة، يولدون كذلك.
قلنا: إن هذه
التربية لا توجد العصمة،
ولا دليل في الآية على ذلك، بل إن
العصمة متوفرة سلفاً، ولكنها - أي
التربية للمعصوم - تنتج تكامل ما بعد العصمة، فإن الفرد يبقى في تكامل مستمر، حتى لو كان معصوماً.
فإن قلت: إن
هذه التربية التي أنتجت تلك المنزلة لموسى D، كانت بفعل تام وشامل من قبل الصانع،
فلا تكون للمصنوع أي فضيلة،
لكي يكون مستحقاً لنيل منصب تحمل الرسالة الإلهية.
قلنا: كلا، بل إن المتلقي للتربية يكون له الاختيار
بطبيعة الحال، ونحن لا نقول بالجبر. فلابد له من تقديم المقدمات، وتحمل الجهاد الأكبر، الذي ينتج له تلك الدرجات. ولكن ذلك
العمل وتلك المقدمات، لا تنتج
نتائجها الحقيقية، إلا بتدخل
الرحمة الخاصة، والعناية المكثفة، من قبل الله سبحانه وتعالى، بحيث يكون
العمل قياساً بتلك الرحمات بمنزلة العدم.
كما قد يفهم من قوله تعالى: [ولتصنع]،
وكأنه لا دخل له في تلك الصناعة. ولكن جانب الاختيار من الطرف الآخر، يمكن أن يفهم من قوله تعالى: [وفتناك
فتونا] فهناك ممتحِن وهو الله تعالى، وهناك ممتحَن ومتحمل لهذه المسؤولية، وهو موسى D.
إذن، فالمرحلة
الأولى، لابد منها قبل التصدي إلى
القيادة الدينية، وهي مرحلة مهمة جداً،
سار عليها الأنبياء، ولابد أن يسير عليها كل متصدٍ لها، لكي يكون على مستوى المسؤولية، لتحمل أعباء هذا المنصب الإلهي، وهي تتمثل بجهاد النفس وبنائها
وتربيتها التربية العالية،
لكي يكون خالصاً لله تعالى، من
أي شائبة دنيوية.
قوله تعالى: [واصطنعتك
لنفسي].
قال صاحب
التبيان: وقوله: [واصطنعتك] أي اصطفيتك وأخلصتك بالألطاف
التي فعلتها بك، اخترت عندها الإخلاص لعبادتي. وقوله: [لنفسي]
أي لتنصرف على إرادتي ومحبتي. يقال: اصطنعه يصطنعه اصطناعاً، وهو [افتعال] من
الصنع، والصنع اتخاذ الخير لصاحبه.
ووجه قوله: [لنفسي]
يعني محبتي، لأن المحبة لما كانت أخص شيء بالنفس، حسن أن يجعل من اختص بها مختصاً بالنفس على هذا الوجه[[9]].
وقال صاحب
الميزان: قوله تعالى: [واصطنعتك لنفسي]، الاصطناع افتعال من الصنع، بمعنى الإحسان - على ما ذكروا - يقال:
صنعه أي أحسن إليه، واصطنعه أي حقق إحسانه إليه وثبته فيه. ونقل عن القفال، أن معنى الاصطناع، أنه يقال: اصطنع فلان فلاناً، إذا أحسن إليه، حتى يضاف إليه، فيقال: هذا صنيع فلان وخريجه.
ثم يقول:
والمعنى على أي حال: وجعلتك خالصاً لنفسي، فيما عندك من النعم، فالجميع مني وإحساني، ولا يشاركني فيك غيري، فأنت لي مخلَصاً. وينطبق ذلك على قوله: [واذكر
في الكتاب موسى إنه كان مخلَصاً][[10]].
أقول: وهذا
التأكيد من قبل الله سبحانه وتعالى،
على جانب الإعداد الكبير والمركز،
والخالص من جميع الجهات له جل شأنه في تربية موسى D ، يعطي لكل متصدٍ للقيادة الدينية العظة
والعبرة، في أن يبني نفسه البناء الحقيقي، لكي يحرر نفسه وبشكل كامل، عن كل القيود الدنيوية، ويكون خالصاً لله تعالى من كل شرك خفي،
حتى يكون الله تعالى، عينه التي
يبصر بها، وأذنه التي يسمع بها، ويده التي يبطش بها، كما ورد في مضامين بعض الروايات، فلا تأخذه الأهواء والمصالح الدنيوية
يميناً وشمالاً.
المرحلة الثانية
وهي المرحلة
التي يتصدى بها القائد الديني،
لبناء المجتمع وإصلاحه،
والسير به نحو مدارج الكمال، والتي سوف يواجه فيها مختلف ألوان الصعوبات، وذلك
بسبب ردود الأفعال المختلفة،
التي سوف يواجهها، ابتداءً من الأفراد الاعتياديين، مع اختلاف أمزجتهم وأفكارهم وأهدافهم، ومستوى ثقافاتهم، وانتهاءً بأعلى مسؤول حاكم، من ناحية السلطة الدنيوية، إذا كان يمثل جهة الباطل، والتطرف بالانحراف، ولا يخلو زمن من
أمثال هؤلاء.
فإن لم يكن
القائد الديني يمتلك طاقات روحية،
واستيلاءً من الناحية المعنوية، على كثير من القوانين التي تسيِّر الكون، لا يتمكن بطبيعة الحال، من
السيطرة والتعامل مع هذه القوى المضادة.
فإن الفرد
المتكامل في جهة الحق، إذا كان
معصوماً بالعصمة الواجبة، أو
أنه وصل إلى العصمة الثانوية، قابله شخص في الكون، قد تكامل في جهة الباطل،
حتى بلغ إلى درجة العصمة في التكامل التسافلي، بحيث يموت عنده طرف الحق تماماً، ويتمحض للباطل فقط. فتكون له حينئذ طاقات شيطانية، تمكنه من السيطرة على الكثير من النفوس
المتدنية في المجتمع.
ولم يصل بعض
الطواغيت في الكثير من الأجيال إلى السيطرة المكثفة، على الكثير من الشعوب،
بدرجات ملفتة للنظر، إلا بعد جهود
مكثفة قد بذلها هؤلاء، في طريق
الباطل، مكنتهم من الهيمنة والاستيلاء، على مشاعر الناس ونفوسهم.
ويمكن لي أن
أزعم - ولو على نحو الأطروحة - أن أكثر شخص من الناس في الجيل المعاصر لموسى D، فهماً له، وإدراكاً لأهميته، هو
فرعون. لأنه يمثل أعلى نقطة في طرف الباطل، وموسى D يمثل
أعلى نقطة في طرف الحق، فقد يرى فرعون من موسى D، ما لا يراه الآخرون. ولو كان المتصدي
لفرعون من الأفراد الاعتياديين،
ولا يتمتع بطاقات روحية متكافئة مع طرف الباطل، أو تزيد عليه،
لتمكن فرعون من إزالته بسهولة.
وهذا ما قد يفسر
لنا طول المدة، التي قضاها موسى D
منذ ولادته، وحتى تصديه للرسالة، لكي يكون
قادراً على التصدي لمثل هذا الطاغوت، وهي مدة ليست بالقليلة.
ولا يخفى أهمية
وعظمة المهمة التي كلف بها موسى D ، في أول تصديه لقيادة المجتمع، وهي مهمة
غاية في التعقيد والصعوبة. وتحتاج إلى درجة عالية جداً في الإيمان والوعي
والشجاعة. بحيث أمر وقبل كل شيء،
بالذهاب إلى أكبر مسؤول في الدولة حينئذ - مع الالتفات إلى شدة الطغيان الذي وصل
إليه فرعون، حيث أنه كان يدعي الربوبية -،
وإقامة الحجة عليه ودعوته إلى إتباع الحق.
والملفت للنظر
أن موسى D، لم يؤمر أولاً بجمع الأنصار والمؤيدين، وإعداد العدة قبل التوجه إلى فرعون، وإنما أمر بالذهاب إليه منفرداً، معززاً بعد عزة الله تعالى، بأخيه هارون D.
أسلوب الدعوة إلى الله تعالى
فقد أمر بذلك
كما قال تعالى: [اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً].
قال صاحب
التبيان: ثم قال: [اذهبا إلى فرعون إنه طغى] أي عتا وخرج عن الحد في المعاصي. [فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى]
معناه: ادعواه إلى الله وإلى الإيمان به وبما جئتما به، على الرجاء والطمع، لا على
اليأس من فلاحه، فوقع التعبير لهما على هذا الوجه. لأنه أبلغ في دعائه إلى الحق، بالحرص الذي يكون من الراجي للأمر[[11]].
وقال الشيخ
الطبرسي في مجمع البيان: [فقولا له قولاً ليناً] أي ارفقا له في الدعاء والقول،
ولا تغلظا له في ذلك عن ابن عباس[[12]].
وقال صاحب
الميزان: والمراد بقوله: [وقولا له قولاً ليناً] المنع من أن يكلماه بخشونة وعنف، وهو من أوجب آداب الدعوة[[13]].
ثم قال صاحب
الميزان: وفي العلل بإسناده عن ابن عمير قال: قلت لموسى ابن جعفر D : أخبرني عن قول الله عز وجل لموسى: [اذهبا إلى
فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى] فقال: [أما قوله:
"فقولا له قولاً ليناً" أي كنياه وقولا له: يا أبا مصعب][[14]].
ثم يشير صاحب
الميزان، إلى أن هذه الرواية تذكر أحد
المصاديق للقول اللين.
أقول: إنه يمكن
أن يستفاد من ذلك عدة أمور:
أولاً: إن الله
تعالى يعلِّم موسى D أن
يستعمل أسلوب التقية في تعامله مع فرعون، لما له من السطوة والخطر الدنيويين،
فالتقية درع المؤمن الحصين. ولابد من أن يتصرف الفرد بحذر وحكمة، فمتى كانت
الشجاعة هي الراجحة، فعليه أن
يستعملها بدقة، ومتى كانت التقية هي الراجحة، فعليه أن يستعملها بدقة أيضاً.
ثانياً: إنه
أسلوب الدعوة إلى الله تعالى،
بالحكمة والموعظة الحسنة، لما لذلك من ردة فعل إيجابية في نفس المقابل، وفي بعض
الروايات، ما يدل على أن كلام موسى D قد
أثَّر في نفس فرعون
وأقنعه، لولا تدخل هامان في ذلك وإفساد
الأمر.
ويلاحظ أن
السيد الطباطبائي P، يشدد في المطلب، حيث يجعل هذا الأسلوب راجحاً إلى درجة
الوجوب، وليس هو من قبيل النصيحة
بالطريقة الأفضل، التي يجوز
تركها. وذلك حينما يقول: المنع من أن يكلماه بخشونة وعنف، وهو من أوجب آداب الدعوة.
ثالثاً: إن
الله تعالى، يعطي لنا العبرة في ذلك، بأن أي شخص مهما تعالى في الطغيان
والظلم، فإنه يمكن أن يفتح معه باب
الحوار والدعوة إلى الحق،
عسى أن ينتبه من غفلته وعمايته، فإن طريق الحق والباطل في نفس كل إنسان، كما قال
تعالى: [وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ][[15]].
ولكن البعض قد يتطرف في جهة الباطل،
إلى درجة قد يموت معه طرف الحق، إلا أن يحيى بقوة خارجية، إن كان مستحقاً لذلك. فلا بأس بأن يحاول الفرد في إحياء هذا الطرف.
وهذا ما يؤكد
أهمية المستوى الروحي، الذي يتمتع به
من يتصدى لمثل ذلك، لكي يكون
قابلاً للتأثير بمثل هذه النماذج.
وأنت إذا قرأت في نهج البلاغة، فإنك سوف تجد بعض الكتب التي أرسلها
أمير المؤمنين D إلى معاوية، يدعوه فيها إلى اتباع الحق والهداية، ونبذ الباطل بكل صوره. وليس ذلك إلا
محاولة منه إلى هداية هذا الشخص، مع
علمه D بالمستوى الذي
وصل إليه.
ولكن الاستبداد وقتل الحريات، التي تكون عند النماذج المتطرفة
بالباطل، هي التي تجعلهم يغلقون أمام
أنفسهم أمثال هذه الفرص، ويقطعون هذه الأيادي الكريمة، التي تحاول أن تنتشلهم.
حتى وصل الأمر مع شديد الأسف إلى أن
هؤلاء، يرون أن الفكر أخطر عليهم من
الموت، لما يعلمونه من نقاط الضعف في أنفسهم، كما قال تعالى: [بَلْ الإِنسَانُ
عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ][[16]].
ذبح الفكر على مذبح الحرية
وقد ذبح الفكر والمفكرون في الكثير من الأجيال<