تمهيد

فكرة هذه الخواطر هي أن بعض الأخوة
- أعزهم الله تعالى- قد طلب مني كتابة بعض الذكريات مع شهيدنا الحبيب
P، بشكل مجرد من دون تعليق أو تحليل، وإنما مجرد سرد تأريخي. ولم يكن في البال طبعها ونشرها، وإنما يحتفظ بها في بعض الأماكن لمن يقرأها.

ولما بدأت بذلك، فإنني اخترت بعضها لا على التعيين. إلا أنني وجدت من المناسب، أن نعلق عليها أو نحللها بشيء من الكلام، لتعم الفائدة، وهذا الذي قمت به فعلاً.

وبعد انجاز هذا القليل الذي بين يديك، لاحظت أنها تستحق أن تنشر، ورجحت أن يتم ذلك على اختصارها وأسلوبها البسيط، بعيداً عن التعمق والتفلسف أكثر، لكي تكون في متناول الجميع، ويستفيد منها الكل.

فهذه بعض الخواطر والذكريات، عن مولانا وسيدنا وحبيبنا السيد الشهيد محمد الصدر P. ولا يخفى أنها كثيرة، ويصعب سردها في هذا المختصر. وسوف تكون بحسب ما ينقدح في الذهن، بغض النظر عن التسلسل الزماني من حياته P. وحقه علينا كبير في أن نخدمه بما هو أكثر من ذلك، إلا أن هذا الأسلوب على اختصاره، لا يخلو من فائدة.

مضافاً إلى أنه مع بعض الكتابات الأخرى بهذا الصدد، يمكن أن تساهم بمجموعها، بجزء من عمل قد يتكامل يوماً، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم.

 

 

 

 

 

الخاطرة الأولى

في يوم ما في شهر رمضان، ليلة شهادة أمير المؤمنين D، وكان شهيدنا الحبيب P، يجلس في البراني ليلاً في شهر رمضان. فقال لي: لنذهب إلى التعزية المقامة في دار [السيد مير حسن أبو طبيخ ولكن أخبر [السيد مؤمل بأن ينتظر هنا، ولا يأتي بالسيارة خلفنا. وكانت النجف مزدحمة جداً من كثرة الزائرين. فخرجت معه P، وكان طريقنا قريباً من المرقد الشريف لأمير المؤمنين D. فسمعنا يقرأون في تلك المناسبة، ومن مكبرات الصوت للمرقد الشريف، يقرأون زيارة [رحمك الله يا أبا الحسن]، وهي الزيارة المروية عن الخضر D، وكانت خلاف التقية. لأن فيها ذماً للخلافة الظالمة والغاصبة لحق أمير المؤمنين D، فاستغرب P لذلك، والتفت إليَّ قائلاً: عجباً يقرأون زيارة رحمك الله يا أبا الحسن؟ يبدو أن الدولة ملجمة بلجام قوي. وكان يقصد أنها من الضعف وقلة السيطرة لدرجة، بحيث يقرأون مثل هذه الزيارة علناً في هذا المكان الشريف. فأجبته فوراً: إن قلوب الظالمين بأيديكم!! وهي كلمة مستلة من كلام يروى عن الإمام الهادي D، حيث يقول بحسب الرواية: إن قلوب الظالمين بأيدينا. فالتفت إلي قائلا: ها ها. على طريقته المعروفة، وكانت إقراراً للحال الذي كنت عليه!

فأكملنا مسيرتنا باتجاه مسجد الجواهري، لأن الدار المقصودة في جهة مقبرة وادي السلام.

وبين الحين والآخر، تأتي مجموعة من الشباب للسلام عليه P. حتى ابتعدنا عن الحضرة الشريفة. ومررنا على دار أحد الحوزويين المعروفين، وكانت عنده تعزية أيضاً، فسألني من الذي يقرأ عنده؟ فأجبته: أظنه فلاناً، لأنني أظن أنني سمعت صوته يقرأ فعلاً في تلك اللحظة.

فقال P : كان بودي أن أزوره، لكنني لا أفعل، بسبب كلمة قالها لي في يوم ما.

وذلك أن هذا الشخص كانت لديه مدرسة دينية، وأراد السيد الشهيد P ضمها إلى باقي المدارس، التي هي تحت إشرافه P.

قال: فأرسلت له [الشيخ عبد الرحمن اليعقوبي]، وهو أحد المشايخ الأجلاء، وكان شيبة.

وإنما أرسله احتراماً لذلك الشخص، فلم يرسل له أحد الشباب. وكان [الشيخ عبد الرحمن] يعمل في الإشراف العام على المدارس، من قبل شهيدنا الحبيب P.

قال: فلما أرسلته له، جاءني ذلك الشيخ صاحب المدرسة معاتباً، وهو يقول: أنا ابن شيخ فلان، وترسل لي شخصاً من سوقة الناس!!!

وهو طبعاً يقول هذا الكلام لشهيدنا الحبيب تكبراً، لأنه عديم الأخلاق، ولم يترب التربية الصالحة، التي سار عليها أهل البيت G].

قال P : وإلى الآن فإن كلمته في قلبي تؤذيني فلا أزوره.

ثم أكملنا طريقنا، حتى وصلنا إلى دار [السيد مير حسن S ا استقر بنا المجلس، التفت أحد الجالسين إلى شهيدنا المقدس قائلاً : كيف أحوالكم سيدنا؟

فأجابه P  : الحمد لله لازالت نعمته متوفرة.

فقال ذلك الشخص: الله يحفظ العلماء.

وبعد قليل دخل [السيد الشهيد مؤمل الصدر P] ، وكان هو الذي يتولى قيادة السيارة التي تقل شهيدنا المقدس، وكان معه [الشهيد الشيخ محمد النعماني P]. فالتفت شهيدنا المقدس إليَّ قائلاً : ألم أبلغهم بعدم المجيء؟ فسألتهما، فقالا: أشفقنا على السيد أن يرجع ماشياً.

فلما انتهت التعزية، ودَّعهم شهيدنا الحبيب، وخرجنا حتى صعدنا في السيارة، وكان P  قد صعد في صدر السيارة كعادته، والسيد مؤمل يقود السيارة، وكنت قد جلست في الخلف في خدمة مولاي. أما الشيخ محمد النعماني فكان قد ذهب إلى داره.

فتفاجئنا بأن سيارتنا في وسط سيارات مزدحمة، ولا تسير إلا بصعوبة بالغة جداً. وكانت السيارات واقفة من شارع الطوسي، أو من ساحة التوديع، إلى مرقد صافي صفا.

ولعل هذا الأمر، هو الذي دعا شهيدنا إلى أن يأمر، بأن لا يجلبوا السيارة إلى هناك.

فكان السير يقف لوقت طويل، ولا يتحرك إلا لمسافة أمتار قليلة، بين فترة طويلة وأخرى. فتأخرنا هناك عدة ساعات، حتى منتصف الليل، وكان الوقت شتاءاً، أي أن الليل طويل، ومنتصف الليل يأتي بعد مدة طويلة.

وبالرغم من صعوبة تلك الليلة، إلا أنها كانت ممتعة جداً، حيث قضيناها مع شهيدنا المقدس، واستفدنا منه الكثير من الدروس والعبر، لأننا قضينا الوقت بطرح بعض الأسئلة والمناقشات.

وبالرغم من التأخير والصعوبات في تلك الليلة، إلا أنه P كان هادئاً جداً، ولم يبد عليه التململ إطلاقاً، ولا طرفة عين. ولم يصدر منه ولا نفس واحد من التأثر أو الاعتراض. ومن يكون في مثل موقعه الاجتماعي، قد ينزعج جداً، عندما يمر بمثل هذا الظرف، أو أنه أو حاشيته يقيمون الدنيا ولا يقعدونها.

وقد يصدف أن [السيد مؤمل] كان ينزعج، وذلك إشفاقاً على السيد. وكان السيد يطيب خاطر ولده، ببعض الكلمات الرقيقة والهادئة والحنونة.

وقد قلت له فيما قلت: لو أن [آصف] يحمل السيارة بالإسم الأعظم إلى الحنانة[[1]]. وكان قصدي من هذا الكلام، هو أن أحرك شهيدنا الحبيب P، وأستثيره لأجل أن يتكلم بما ينفعنا فإنا عطاشى.

فأجابني على الفور: لقد استخدمه لأمر أخروي، ولو استخدمه لأمر دنيوي لما استجيب له!!!

ومعنى ذلك أنه محيط به، وبهدفه الذي دعا من أجله، وحدود إمكان استخدامه للاسم الأعظم.

ومن ناحية أخرى كان يشير بوضوح، إلى أن ما نحن فيه هو من الأمور الدنيوية، والإبتلاءات التي لابد من تحملها والتسليم لها. ولا يجوز لنا أن نستعمل بعض الأسرار الإلهية لزوالها.

وبعد فترة طالت لما يقرب من الساعتين أو أزيد، وصلنا إلى نهاية هذا الشارع، وإذا به مقطوع، وعلينا الرجوع على الطريق بالاتجاه الآخر، على نفس المعدل. مما يضاعف المدة السابقة تقريباً، إلا أن يفرج الله تعالى.

فحينئذ اقترح [السيد مؤمل] بأن أذهب مع شهيدنا المقدس إلى البراني، فلعله يحتاج إلى التغسيل أو الحمام.

فقال P ما مضمونه: أتحمل إلى ساعة أخرى.

والحمد لله، انفرج الأمر قبل الساعة. وقبل الانفراج بقليل قرأت عليه البيتين المنسوبين لأمير المؤمنين D  :

ولرب نازلة يضيق لها الفتى ذرعاً
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

 

وعند الله منها المخرج
فرجت وكنت أظنها لا تفرج

فقال لي: أنت تقرأها [وكنتُ أظنها]؟

قلت: نعم.

قال: أنا أقرأها [وكنتَ تظنها]، لأنني أجل أمير المؤمنين D من أن يظن بأنها لا تفرج !

وهي التفاتة لطيفة ورائعة.

وأما كيف انفرج الأمر، فإنه قد أقبل مجموعة من الشباب حوالي الأربعة، وكنا لا نعرفهم، فلما رأوا السيد في السيارة، أخذوا ينظمون السير أمامنا، ويفتحون أمام سيارتنا الطريق. وسبحان الله ما هي إلا لحظات قليلة، إلا وقد أوصلونا إلى نهاية الطريق، فخرجنا بفضل الله وحسن توفيقه من ذلك الازدحام.

فهنا علق السيد بتعليقين لطيفين:

الأول: قال إن هؤلاء ملائكة، وكان يعني الشباب الذين أخرجوا السيارة. ولم يزد على ذلك، ولم نسأله عن ذلك، وإنما تلقينا الكلمة بقبول واطمئنان كامل.

الثاني: قال إن هناك كلمة قلَّ ما أقولها وهي: إن علاج البلاء التسليم. فإذا نزل البلاء، فعالجه بالتسليم، لأن الفرد إذا وقع عليه البلاء وناقش، حتى لو كان ذلك في داخل نفسه، فإن الله تعالى يضربه على رأسه، يضربه، حتى يسكت.

وبعد ذلك ذهبنا إلى دار شهيدنا الحبيب، وقبل أن نصل قال السيد للسيد مؤمل: أوصل الشيخ أولاً. ولكنني رفضت بإصرار.

وبالفعل أوصلناه P، وكان الوقت منتصف الليل، ومن ثم أوصلني السيد مؤمل P إلى الدار.

 

 

دروس وعبر

وبالإمكان أن نسلط الضوء على بعض النقاط في هذه الخاطرة ضمن النقاط الآتية:

أولاً: إنه P كان يحب التواصل مع المجتمع، على اختلاف طبقاته، وكان يقوم بزيارة الكثير من المؤمنين في أحزانهم وأفراحهم ومناسباتهم، ولم يتكبر عن أي مناسبة أو عن أي شخص، مهما كانت مكانته الاجتماعية.

فهو لم يقتصر في ذلك على الوجهاء والمشاهير في المجتمع، وإنما كان يقصد البسطاء أيضاً ويشاركهم مناسباتهم أو يلبي دعواتهم.

ويعلم الكثير من الأخوة من طلبة الحوزة - أعزهم الله تعالى -  ذلك، فإن البعض منهم على بساطة شأنه الاجتماعي أو الاقتصادي، ولكنهم عندما كانوا يوجهون له الدعوة، فإنه كان يقصدهم ولا يتكبر عليهم إطلاقاً.

ثانياً: إننا لم نفهم الرجل حق فهمه! وكيف لنا مع قصورنا وتقصيرنا أن نحيط به وبأهدافه ومداركه؟

ولعل جهلنا بالكثير من معارفه وعلومه، جعلنا نحرم من كثير من النتائج، أو قد نغفل عن تلبية بعض مقاصده كما ينبغي، فتضيع منا الكثير من المنافع.

ولنا في هذه الرواية مثل بسيط، وذلك عندما بلغنا بعدم إرسال السيارة إلى هناك. فهو يدرك وعن وعي تام الحكمة في ذلك، إلا أننا قد نفكر بخلافه، ونحرص على خدمته، بعمل قد يكون على خلاف الحكمة.

فالأخوة عندما جاءوا بالسيارة، كانوا مخلصين أكيداً، ويبتغون من وراء ذلك خدمته وعدم إتعابه، فجزاهم الله خير جزاء المحسنين.

إلا أننا نفكر بمستوى، وهو يفكر بمستوى آخر، وهو أمر طبيعي لبساطة مستوياتنا أمام هذه العظمة الشامخة.

إلا أن الأمر يبقى على أننا حرمنا من الكثير من الأشياء، لعدم استحقاقنا لذلك بكل تأكيد. والكثير من الأخوة يعلمون ذلك، ولديهم بكل تأكيد بعض الشواهد والذكريات التي تدل على ما أقصده.

ثالثاً: إن قوله: [يبدو أن الدولة ملجمة بلجام قوي] يدل على أمرين لا أقل، بحسب ما أفهم:

أحدهما: على أن الله تعالى حاضر لديه في كل أوان، وهو ملتفت إلى عظمته وقدرته اللامتناهية. ولا يلتفت إلى سيطرة غيره من الأسباب، وأن الظالم مهما تغطرس فإنه يبقى في قبضة الله تعالى، إن شاء أن يضيق عليه الخناق، في أي وقت لفعل.

ثانيهما: إنه يتمتع بوعي اجتماعي وسياسي كبير وواسع جداً، وأنه صاحب قضية ورسالة وهدف، وهو يراقب الأحداث والتطورات على جميع المستويات عن كثب. لكي يحسب ظروفه الموضوعية بدقة وحذر.

فهو يراقب السلطة الظالمة، مراقبة القائد الذي يلتفت إلى نقاط قوته بموضوعية، ونقاط قوة أو ضعف عدوه بموضوعية. فإنه بمقدار ما يضعف العدو، فإن الفرصة تكون معطاة له في الطرف الآخر، للعمل والتوسع في بعض الإنجازات. ويدل على ذلك الكثير من الشواهد في مسيرته الشريفة.

رابعاً: إن علاقاته P بالآخرين مبتنية على الحب في الله والبغض في الله، كما أشارت إلى ذلك الروايات الشريفة الواردة عن أهل البيت G ، والتي تحثنا على أن نكون كذلك. وهذا ما رأيته بوضوح في عدم ذهابه إلى ذلك الشخص، الذي تكلم بتلك الكلمة.

وأنا أفهم منها أمرين لا أقل:

أحدهما: إن هذا هو موقفه أمام الله تعالى مع من يقترف المعصية، فهو أسلوب من أساليب النهي عن المنكر عملياً. وخصوصاً صفة التكبر، فإنها من الأمور التي كان يقف منها موقفاً شديداً، وخصوصاً مع من يتصف بها من رجال الحوزة. فإنه حارب هذه الصفة محاربة شديدة نظرياً، من حيث التنبيه على خطورة هذه الصفة على الفرد وعلى المجتمع. وكذلك عملياً، من ناحية اتصافه بالتواضع الملفت للنظر، والتزامه بالكثير من الأمور التي أراد من خلالها إزالة هذه الصفة من المجتمع عامة، ومن الحوزة خاصة. كالتزامه بعدم السماح لتقبيل يده، وجلوسه في الأماكن التي تقام بها المناسبات العامة مع عامة الناس، أو حيث ينتهي به المجلس، واستماعه والتقائه بكافة طبقات وشرائح المجتمع، إلى غير ذلك كثير.

ثانيهما: نصرته لهذا المؤمن. فإن نصرة المؤمن أمامه أو حال غيابه، لهي من الصفات الجليلة التي حثَّت عليها الروايات الواردة عن أهل البيت G. فهو ينصر ذلك الرجل، مع عدم توقعه منه أي جزاء دنيوي، وهو ينصره مع عدم علمه بذلك، وهذا من الإخلاص العالي، الذي يجعل عمله محضاً في حب الله تعالى.

وما أحوجنا اليوم وفي كل يوم إلى أن يكون هذا الأساس المتين، هو الذي تبتنى عليه علاقتنا مع بعضنا في الله تعالى.

خامساً: إنني لاحظته بدقة، وبالرغم من صعوبة الموقف، والتأخير الذي حصل، مع موقعه الديني والاجتماعي، إلا أنه لم ينزعج أو يتململ على الإطلاق. ولم يكن يفتعل أو يتكلف ذلك، وإنما هي ملكة قد اعتاد عليها، من الرضا بقضاء الله تعالى وقدره، بل حبه الشديد لكل بلاء مهما كان حجمه، ليوظفه في طاعة الله سبحانه وتعالى. وكان يعتبر أمثال هذه الأمور، نعمة خاصة من قبل الله تعالى، ويتقبلها بكل طيبة نفس.

وقد وجدنا الكثير ممن يدَّعون بعض الادعاءات، أو تكون لهم بعض الخصوصيات الاجتماعية أو الدينية، فإنهم ينزعجون ويتأوهون أمام أقل الصعوبات. وكأنهم على المستوى النظري ينَظِّرون ويتفلسفون، وأما إذا اصطدموا بالواقع، وأصبحوا على المحك فإن المسألة تتغير جذرياً.

سادساً: لقد ركزت كثيراً على جوابه عندما أثرت موضوع [آصف]، فإنه يدل على استيلائه التام على المطلب، وسيطرته الباطنية على الكثير من الأسرار الإلهية العظيمة، مع عدم بوحه بتلك الأسرار، وعدم استغلالها للمصالح الدنيوية أو الشخصية. وهذا من أهم الأسباب التي جعلت له حسن التوفيق، على أعلى درجاته وأخص مراتبه، وذلك لأننا رأيناه شديد الكتمان، والاحترام والتقديس لتلك الأسرار.

والحديث الخاص في ذلك يعتبر عبوراً للخطوط الحمر، فلا يمكن التفصيل فيه.

سابعاً: إن قوله: أنا أقرأها: [وكنتَ تظنها] كلام في غاية الدقة والروعة، ولطافة التفاته إلى مراتب المعصومين G، وقد كانت له أمثال هذه الإلتفاتات في الكثير من مواقف أهل البيت G ، أو كلماتهم التي تروى عنهم. وخصوصاً مع أمير المؤمنين D، فإن له خصوصياته الخاصة في علاقته معه.

وقد نقل لي أحد الأخوة من أهل الخبرة، الذين كانوا يقولون بأعلمية شهيدنا المقدس، بأنه كان الأجود في فهم كلام المعصومين G. وهذا ملاحظ عليه في الكثير من مؤلفاته وكلماته، التي يفهم بها كلامهم G، فإنه كان يقترب من مقاصدهم، بشكل ملفت للنظر.

ثامناً: لا نستغرب من قوله عن أولئك الشباب بأنهم ملائكة، فإن مثله من تتشرف الملائكة بخدمتهم، فإنه من الأولياء الشامخين، الذين نالوا أخص المراتب عند الله سبحانه وتعالى. ولا يخفى إمكان تصور الملائكة بصور البشر. وله من المقامات الملموسة لمس اليد، ما يفوق ذلك بكثير.

تاسعاً: إننا قد نتخبط في توظيف البلاءات لصالح تكاملنا، أو أننا قد نحاول أن نغير بعض الأمور، التي تقع علينا بأساليب ليست بصحيحة. إلا أنه كان يضع الأمور في نصابها الحقيقي، ويستخدم المفاتيح الصحيحة لفتح بعض الأبواب.

فإن قوله: [إن علاج البلاء التسليم] لهو تشخيص إلهي عالي المنزلة، وهو عطاء خاص من الله تعالى، لاستحقاقه العالي في توظيف البلاء الإلهي لما فيه الخير والصلاح.


 

 

الخاطرة الثانية

تحصل في شهر رمضان المبارك عادة زيارات متعددة بين العلماء. وقد أثار P في بعضها فرعاً فقهياً. وكان من عادته، عندما يجلس مع بعض العلماء أو فضلاء الحوزة الشريفة، فإنه يثير بعض المسائل للنقاش فيها.

وكان الفرع الذي أثاره في ذلك الحين هو: إذا حملت امرأة بعد وطئها من ثلاثة رجال، فلمن يكون الولد؟

وأول إثارة للمسألة كانت بحضور وفد من قبل السيد السيستاني، وعلى رأسهم نجله السيد محمد رضا السيستاني. فقال P : هناك فرع فقهي، يحسن عرضه على فضلاء الحوزة. ثم ذكر المسألة المتقدمة.

ثم قال: أما أنا فأقول: إنها تحل بالقرعة، لأن القرعة لكل أمر مشكل.

فناقش السيد محمد رضا في ذلك، وقال: وهل تعتبر المسألة صغرى لهذه القاعدة؟ أي هل بالإمكان أن تشمل هذه القاعدة، ما نحن فيه.

فقال P : نعم لأن القاعدة تقول: القرعة لكل أمر مشكل، وهذا الأمر مشكل، فلابد من حله بالقرعة، وهي منحصرة بذلك.

فقال السيد محمد رضا: ولكن يوجد جهاز، نستطيع أن نكتشف بواسطته من هو الأب.

فقال P : فأين تذهب عن قوله تعالى: [إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا][[2]]؟ فكيف يمكن لنا أن نترك قواعدنا الشرعية، ونعول على جهاز أخبرنا بوثاقته الغرب؟

فناقش السيد محمد رضا كثيراً على هذا النحو من الاستدلال، ولم يقتنع بالقرعة.

وبعد يومين أو أكثر، أقبل السيد السيستاني نفسه لزيارة السيد الشهيد P، ومعه جماعة بما فيهم ولده محمد رضا.

فأثار شهيدنا المقدس نفس المسألة، فقال السيد السيستاني: إذا وجد جهاز، يمكن أن يثبت النسب، فنعول عليه.

فقال P : وماذا عن قوله تعالى: [إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا

فقال السيد السيستاني: أنا قلت إذا وجد.

فقال P : وإذا لم يوجد؟

قال: فتحل بالقرعة.

فقال P : أحسن الله إليك، ولكن المحروس ابنكم ناقش قبل يومين في أمر القرعة.

وصادف في ذلك الوقت نفسه، أن جاء لزيارة السيد الشهيد P السيد رضي المرعشي.

فقال المرعشي: أنتم تقولون بأن قراءة القرآن، لمن لا يحسن القراءة في نهار شهر رمضان، مبطلة للصوم؟

فقال P : نعم أنا أقول بالإحتياط الوجوبي بذلك.

فقال المرعشي : لماذ؟

قال P : لأن من يقرأ القرآن بصورة خاطئة، فإنه يشهد بلسان الحال أن هذا كلام الله، فينسب الخطأ إلى الله تعالى. فيدخل تحت عنوان الكذب على الله تعالى.

قال المرعشي وشاركه السيستاني : فهل أن لسان الحال لسان ، يصدق عليه الصدق والكذب، كما في لسان المقال؟

قال P : نعم.

فلم يقتنعا، فضرب لهما مثلاً فقال : إذا صلى أحد خلف شخص جماعة، أوليس يشهد بعدالته ؟ بينما هو لم يقل بلسانه إنه عادل، وإنما يشهد بلسان الحال أنه عادل.

فلم يقتنعا، فقال P : إذا كان هناك شخص ليس بسيد[[3]]، ولكنه يلبس عمامة سوداء، ألا نقول عنه إنه كاذب.

قالا: بلى.

فقال: لكنه لم يقل بلسانه أنا سيد، وإنما هو يقول ذلك بلسان حاله، ومع ذلك نقول عنه إنه كاذب.

فانقطع المرعشي، وانشغل بالتسبيح. وقال السيستاني: المسألة مبنائية، فأنتم مبناكم أن لسان الحال لسان، يصدق عليه الصدق والكذب.

وكذلك فإن الشيخ الفياض، جاء لزيارة شهيدنا المقدس في نفس ذلك الشهر، فعرض P عليه نفس المسألة.

فلما سمع الفياض ذلك ضحك، ثم قال: تحل بالمعجزة!

فقال P : أي معجزة؟! إن لدينا قواعدنا الشرعية.

فقال الفياض: آباؤه هم الثلاثة جميعاً!

فقال P : فكيف يكون ذلك؟ فإن هذا منقوض علمياً وشرعياً.

أما علمياً، فإن الملقح هو حويمن واحد، وهو راجع إلى شخص واحد.

وأما شرعياً، فإنه لا يوجد عندنا من يقول، بأن الولد يمكن أن يكون له أكثر من أب.

ثم سكت P ، وقد لاحظت عليه الاستغراب من هذا الجواب.

وفي نفس ذلك الشهر الكريم، ذهب شهيدنا الحبيب P لزيارة السيد السيستاني.

فلما جلس P ، قال له السيد السيستاني بعد السلام والتحية : تشكون من شيء؟

فقال P : حسب فهمي، إن الشكاية إلى الله تعالى فيها نحو من أنحاء النقص، فكيف بالشكاية إلى المخلوق؟ لأن الشكاية إلى الله، هي في واقعها شكاية إلى الله على الله.

فقال السيد السيستاني : هذا يدل على علو مقامكم !

وكان من ضمن الجالسين من جماعة السيستاني، الدكتور محمد حسين الصغير.

فقال الصغير : سيدنا ولكن نبياً من الأنبياء اشتكى إلى الله، وهو يعقوب، [قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ][[4]].

فأجابه شهيدنا المقدس : توجد رواية تقول: بأن جماعة من اليهود، أمسكوا بسلمان الفارسي، فقالوا له: سوف نضربك، وادع الله، لينتقم منا، إن كنت على الحق.

فضربوه، ضربوه، إلى أن اكتفوا. فقالوا له: لم نصب بشيء؟

قال سلمان: ولكنني لم أدع عليكم.

قالوا: إذن ماذا كنت تفعل؟!

قال: كنت أسأل الله تعالى، الصبر على هذا البلاء. فسكت الصغير...

وفي نفس ذلك الشهر، زار شهيدنا الحبيب P الشيخ الغروي. ودار الحديث حول بعض الكتب، التي نسبت إلى غير مؤلفيها، وكان من بين تلك الكتب، أسماء لامعة لبعض الكتب، التي نسبت لأسماء لامعة من غير مؤلفيها.

والغريب أن أصحابها الحقيقيين،لم يتكلموا حتى بعد موت من نسبت إليهم كذباً.

فلما خرجنا، سألت مولانا المقدس، عن سبب سكوت هؤلاء، حتى بعد موت أولئك؟

فأجاب P : إن هيبة أولئك لا تزال في قلوبهم، ولكن سوء توفيقي الذي جعلني قوي القلب.

فأجبته: سيدنا هذا من سوء توفيقهم هم!

 

 

دروس وعبر

ولنا على هذه الخاطرة عدة تعليقات، إن اعتبرناها خاطرة واحدة، وإن كانت بالدقة عدة خواطر، إلا أنها قد وردت في سياق معنوي واحد، فاعتبرتها بمجموعها خاطرة واحدة. والتعليقات على هذه الخاطرة كما يأتي:

أولاً: إن هذه الزيارات بين المراجع، كانت تزداد في شهر رمضان المبارك، وذلك لعدة أسباب:

منها: التعطيل الدراسي الذي يكون في شهر رمضان المبارك، فإن كان الدرس في باقي الأيام، يجعلهم منشغلين وغير متفرغين لبعض القضايا الاجتماعية. فإنهم في هذا الشهر، يكونون في فسحة وراحة وتفرغ، فتتكثف مثل هذه الزيارات.

ومنها: إنهم إن كانوا ينشغلون بقضاء حوائج الناس في باقي الأيام، لكثرة الواردين إلى النجف الأشرف، فإن عدد القادمين إلى النجف من خارجها يقل بسبب الصوم، حتى أن جلوس السيد الشهيد P في هذا الشهر يكون ليلاً، وكذلك جلوس الآخرين، فتكون للجميع فرصة واسعة للتزاور.

ومنها: إن هذه الزيارات، لهي من الأمور الراجحة، والتي فيها عزة الدين والمذهب، ووحدة الكلمة والتكاتف، لا أقل على المستوى الإعلامي. فإذا كانت كذلك، تكون في نفسها عبادة، وإذا وقعت خلال شهر رمضان، تكون مضاعفة بكل تأكيد، فيكون الاهتمام بها واسعاً.

ثانياً: إن السبب الذي يجعل شهيدنا المقدس يثير مثل هذه المسائل، بحسب ما نفهم، هو عدة أمور:

منها: أن يشغل الحديث بما هو نافع، بعيداً عن الحديث بأمور الدنيا. وهذا السبب قد سمعته منه مباشرة.

ومنها: التعرف على مستوى المقابل، من خلال النقاش حول بعض المسائل. فإن البعض كانوا يحكمون على اجتهاد الشخص أو عدمه، أو أعلميته أو عدمها، من دون أن يقرأوا كتبه، أو يحضروا درسه، أو يناقشوه، أو يسألوا أهل الخبرة، ممن قرأ أو سمع أو ناقش. وهذا ليس بصحيح، وخلاف الورع أمام الله سبحانه وتعالى. فكان P يناقشهم، ليتعرف على مستوياتهم، ليقيم مستواهم العلمي. وعلى هذا التقييم تترتب بعض الآثار الشرعية. فمن يتبين له من خلال هذه النقاشات، أن غيره هو الأعلم، وهو يقول بوجوب تقليد الأعلم، فإنه لا يجوز له التصدي بعد ذلك للمرجعية.

ومنها: النفع والفائدة التي يستفيدها السامعون لمثل هذه النقاشات، وخصوصاً من طلبة الحوزة الشريفة، لأنها داخلة ضمن اختصاصهم.

إلى غير ذلك من النتائج المتوخاة.

ثالثاً: إن توجيه الفرع الفقهي الذي طرحه P من الناحية الفقهية، بأن نقول: بأن ثلاثة رجال وطأوا إمرأة في زمان واحد شبهة، أو زوجها، ورجلان وطئاها شبهة، أو غير ذلك من الموارد، التي يصح بها انتساب الولد لكل منهم. وتوجد لدينا بعض الروايات الصحيحة التي تحل المسألة بالقرعة. كصحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله D قال: [إذا وقع المسلم واليهودي والنصراني على المرأة في طهر واحد، أقرع بينهم، فكان الولد للذي تصيبه القرعة][[5]]. وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله D : [إذا وقع الحر والعبد والمشرك بامرأة في طهر واحد، فادَّعوا الولد أقرع بينهم، فكان الولد للذي يخرج سهمه][[6]].وصحيحة معاوية بن عمار عنه D  أيضاً: [إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت، فادَّعوه جميعاً أقرع بينهم، فمن قرع كان الولد ولده][[7]].

إذن فتوجد نصوص صريحة وصحيحة، تقول إن المسألة تحل بالقرعة، فلماذا كانت تلك المناقشات البعيدة عن ذلك؟!

رابعاً: كان P شديد الالتزام والاحترام، للقواعد الشرعية والنصوص الإسلامية، ولم تكبر في نفسه يوماً الابتكارات أو الاكتشافات أو النظريات العلمية الحديثة، بحيث تجعله يحيد عن تراثه الإسلامي، ويعوِّل على بعض هذه الأمور المادية. التي نجد الكثير منها لم يتجاوز مستوى النظرية، والتي قد تدحض بنظرية أخرى أفضل منها، والأمثلة على ذلك كثيرة.

بينما نجد بعض العلماء أو المفكرين ومع شديد الأسف، يستعجل بالتصديق ببعض النتائج ويؤمن بها، وقد يتخلى عن بعض ثوابته من أجلها. وقد يصل الأمر، إلى أن أصحاب تلك النظريات أو الاكتشافات ينقلبون عليها وينكرونها، ويبقى أصحابنا بعدها ثابتين عليها، أو في حيرة من أمرهم.

والذي يؤسف له، أن بعض المفكرين قد يفسرون نصوصاً قرآنية وفقاً لنظريات غير مقطوع بها، أو قد يمر الزمن بها فيجعلها وهماً من الأوهام. وذلك ما نراه من البعض، ممن يريد أن يفسر القرآن، فيعتمد على بعض هذه النظريات، فماذا يكون الحال لو اكتشف خطأ هذه النظرية أو تلك؟ وماذا نفعل بهذه النصوص الشريفة؟ والمشكلة هي أنهم يعتبرون أمثال هذه التفاسير، من النتائج التي يجزمون بها. وإلا فإنهم لو كانوا قد طرحوها على أنها تفاسير محتملة، أو على نحو الأطروحات، لانتفت المشكلة.

وكذلك الحال مع بعض النصوص الواردة عن أهل البيت G