
هذه الحلقة الثانية من
الخواطر والذكريات، والتي تتضمن الخاطرة الثالثة والرابعة مع شهيدنا الحبيب الولي
الكامل السيد محمد الصدرP، أرجو من الله
تعالى أن يجعلها سبباً للنفع والفائدة لجميع الأخوة علماً وعملاً، ولي أجراً منه
جل وعلا، وشفاعة من صاحب الذكريات (أعلى الله مقامه).
وأسأله تعالى أن يغفر ما
قد يكون فيها من نقص أو ظهور للنفس الأمارة بالسوء، فإن النفس كذلك إلا ما رحم
ربي.
وأرجو من الأخوة الحمل على
الصحة فإنني لا أطمع من هذه الكتابات بأي هدف دنيوي، وليس لي أن أكتب عن شهيدنا
الحبيب P بدافع من الهوى وحب الدنيا، وأقسم على الله تعالى
بمحمد وآله ألا يوفقني لذلك إن كان هدفي دنيوياً.
وأذكِّر الأخوة بما قلته
في الحلقة الأولى من التبسيط المتعمد في كتابتها، ليسهل تناولها وهضمها من قبل
الجميع تعميماً للفائدة، والله من وراء القصد.
إلهي أمرت بالرجوع إلى
الآثار فأرجعني إليك بكسوة الأنوار، وهداية الاستبصار حتى أرجع إليك منها كما دخلت
إليك منها، مصون السر عن النظر إليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، إنك على كل
شيء قدير[[1]].
أسعد الناصري
النجف الأشرف
4 ربيع الأول 1429
الخاطرة
الثالثة
كان شهيدنا الحبيبP يجلس يومياً
لقضاء حوائج الناس وذلك عند الصباح، وأما ليلاً فإنه يجلس ليلة الجمعة وليلة السبت
بعد صلاة العشائين، وفي ليلة من هذه الليالي، جاءه أحد الشباب ونقل له رؤيا قد
رآها في منامه، وابتدأ بسردها له P قائلاً:
[رأيت في المنام أن الناس
يدخلون إلى حضرة أمير المؤمنينD وهم يلبسون
أحذيتهم ونعالاتهم ولا يخلعونها عندما يزورون، وأما أنت [وكان يقصد شهيدنا الحبيب]
فإنك قد دخلت بعد أن خلعت مداسك في الخارج، ودخلت حافياً فزرت وصليت، وصليت خلفك،
ومن ثم خرجت ولبست مداسك وانصرفت].
فلما أتم هذا الشاب حديثه
وكان يجلس على يمين السيد الشهيدP وكنت في مكان
عملي أجلس على يساره، وكانP ملتفتاً إلى
ذلك الشاب، ابتدأ شهيدنا الحبيب بتفسير الرؤيا قائلاً: [حسب فهمي فإن الحذاء أو
النعل رمز عن هموم الدنيا، فمعنى ذلك أن الناس يدخلون إلى حضرة أمير المؤمنينD حاملين هموم
الدنيا معهم غير متجردين عنها، وعندما رأيتني قد خلعت مداسي فمعنى ذلك أنني خلعت
هموم الدنيا خارجاً ودخلت متجرداً عنها، وهذا يدل على قبول صلاتي، وأنت كذلك،
وعندما غادرت حملت هموم الدنيا ولبستها وانصرفت].
وعندما قال P هذا الكلام خطر
في نفسي هذا الخاطر، وهو أن حال السيد خارج الصلاة أو خارج الحضرة الشريفة كحاله
داخل الصلاة أو داخل الحضرة، وليس له تعلق بالدنيا لا في الداخل ولا في الخارج،
فلماذا يقول هذا الكلام؟
وفي الأثناء قام الشاب،
وأراد P أن يجيب عن سؤال الشخص الذي بعده، إلا أنه تركه
والتفت إليَّ قائلاً: [إن الله تعالى يري في المنام كل شخص بقدر استحقاقه فلا يدخل
في قلبك شك]. فلم أتكلم ولكنني ابتسمت، لما أقره P من الحال الذي
كنت عليه.
دروس
وعبر
انطلاقاً من هذه الخاطرة
وددت التعليق ببعض الأمور وكما يأتي:
أولاً: إنه P كان يجلس جلسة
عامة لقضاء حوائج الناس، ونعني بذلك مختلف الحاجات، وليس الحوائج الاقتصادية كما
قد يخطر في أذهان البعض، وإنما مختلف الحاجات، من أسئلة فقهية أو عقائدية أو
تأريخية أو تفسير، وكذلك المشاكل الاجتماعية أو الأسرية وغيرها.
وكان يستمع للصغير والكبير
والمهم والبسيط والغني والفقير، وغير ذلك من طبقات وأصناف المجتمع. ويعتبر أن هذه
من المسؤوليات المهمة للعلماء وطلبة العلم، ولابد لهم من أن يخصصوا من أوقاتهم
جزءاً لخدمة المجتمع، بل يكرسوا كل وقتهم لخدمة الدين والمجتمع.
وكان يخصص أوقاتاً خاصة
للحوائج الخاصة. فعندما يخرج للصلاة في حضرة أمير المؤمنينD فإن بعض الأخوة
قد يعرض عليه بعض المسائل في الطريق، وكذلك عندما يخرج من الحضرة بعد أداء الصلاة،
وقد يتوقف مع السائل في الطريق لاستماع السؤال أو لإيصال الجواب، غير مستنكف من
ذلك ولا متكبر، وقد يكون الأمر مع أشعة الشمس الحارة في الصيف. وهو أمر قد يعتبره
البعض إساءة وانتهاكاً لقدسية موقعه.
وكذلك يعود إلى البراني بعد
الصلاة من أجل المواعيد الخاصة، فيدخل عليه عدد من المؤمنين واحداً واحداً لأجل
القضايا الخاصة والشخصية، التي لا يتمكن أصحابها من الحديث بها أمام الآخرين
لأسباب أسرية أو أمنية أو غيرها.
وكذلك تكون له بعض المواعيد
الخاصة في منزله بالرغم من مسؤولياته الأخرى، كالدرس والتأليف وإجابته عن
الاستفتاءات الخطية وغيرها.
وعلى أي حال فقد كرس من
نفسه ووقته عاملاً مجاهداً لخدمة الدين والمجتمع من دون وضع مختلف الحواجز، مما
جعله يؤدي مسؤولياته بالشكل المطلوب، ومما جعله يقترب من الناس جداً، ليتحسس آلامهم
وآمالهم ومعاناتهم ومشاكلهم. وهذا الأسلوب هو الذي دعا الكثير من الناس إلى التوجه
نحوه والارتباط به والتعلق به بالشكل المتين الذي حصل، لما وجدوا عنده من
الاستعداد للاستماع لمختلف مشاكلهم وتكفل حلها.
ولذا نجده في الكثير من
الأحيان يستمع لبعض المؤمنين وهو يروي رؤيا قد رآها في المنام، ولعل الكثير من
المتصدين لمثل موقعه يمتنعون عن ذلك، ولا يستمعون لأمثال هذه المسائل بدافع التكبر،
وأنها ليست من المسائل الفقهية التي من اختصاصهم! والحال أننا نسمع في بعض
الروايات عن أهل البيت E أنهم كانوا
يستمعون لأمثال هذه المسائل من الناس.
ثانياً: إننا إذا أردنا
الحديث تفصيلاً عن عموم الرؤيا من جميع جهاتها، وفصلنا الحديث عن ذلك من كل
الزوايا، فإن الكلام قد يطول جداً. وذلك لعمق المسألة وتشعبها وإن كانت تستحق ذلك
لأهميتها، وقد كتبت في ذلك الكثير من المؤلفات قديماً وحديثاً، ولسنا الآن بصدد
ذلك، وإنما يحسن أن نحمل فكرة عن بعض الروايات الواردة بهذا الصدد، وما هو الرأي
الفقهي في حجيتها.
وقد وردت في ذلك روايات
كثيرة نشير إلى بعضها من أجل الفائدة.
ففي -الأمالي- للشيخ الصدوق
ص142:
بإسناده عن أبي عبد اللهD، قال: أقبل
جيران أم أيمن إلى رسول الله9، فقالوا: يا
رسول الله، إن أم أيمن لم تنم البارحة من البكاء، لم تزل تبكي حتى أصبحت، قال:
فبعث رسول الله9 إلى أم أيمن فجاءته، فقال لها: يا أم أيمن، لا أبكى
الله عينيك، إن جيرانك أتوني وأخبروني أنك لم تزلي الليل تبكين أجمع، فلا أبكى
الله عينيك، ما الذي أبكاك؟ قالت: يا رسول الله، رأيت رؤيا عظيمة شديدة، فلم أزل
أبكى الليل أجمع. فقال لها رسول الله9: فقصيها على
رسول الله، فإن الله ورسوله أعلم. فقالت: تعظم عليَّ أن أتكلم بها. فقال لها: إن
الرؤيا ليست على ما ترى، فقصيها على رسول الله. قالت: رأيت في ليلتي هذه، كأن بعض
أعضائك ملقى في بيتي. فقال لها رسول الله9: نامت عينك يا
أم أيمن، تلد فاطمة الحسين، فتربينه وتلينه، فيكون بعض أعضائي في بيتك. فلما ولدت
فاطمة الحسينH، فكان يوم السابع، أمر رسول الله9 فحلق رأسه وتصدق
بوزن شعره فضة وعق عنه، ثم هيأته أم أيمن ولفته في برد رسول الله9، ثم أقبلت به
إلى رسول الله9، فقال9: مرحبا بالحامل
والمحمول، يا أم أيمن، هذا تأويل رؤياك.
وفي -الكافي- للشيخ الكليني
ج 8 ص335 :
بسنده عن الحسن بن جهم قال:
سمعت أبا الحسنD يقول: الرؤيا على ما تعبر، فقلت له: إن بعض أصحابنا
روى أن رؤيا الملك كانت أضغاث أحلام. فقال أبو الحسنD: إن امرأة رأت
على عهد الرسول9 أن جذع بيتها قد انكسر فأتت رسول الله9 فقصت عليه
الرؤيا فقال لها النبي9: يقدم زوجك
ويأتي وهو صالح، وقد كان زوجها غائباً فقدم كما قال النبي9: ثم غاب عنها
زوجها غيبة أخرى، فرأت في المنام كأن جذع بيتها قد انكسر فأتت النبي9 فقصَّت عليه الرؤيا فقال لها: يقدم زوجك ويأتي
صالحاً فقدم على ما قال. ثم غاب زوجها ثالثة فرأت في منامها أن جذع بيتها قد انكسر،
فلقيت رجلاً أعسراً فقصت عليه الرؤيا فقال لها الرجل السوء: يموت زوجك، قال فبلغ
[ذلك] النبي9 فقال: ألا كان عبر لها خيراً.
وبسنده عن جابر بن يزيد، عن
أبي جعفرD أن رسول الله كان يقول: إن رؤيا المؤمن ترف بين
السماء والأرض على رأس صاحبها حتى يعبرها لنفسه أو يعبرها له مثله، فإذا عبرت لزمت
الأرض فلا تقصوا رؤياكم إلا على من يعقل.
وبسنده عن أبي بصير، عن أبي
عبد اللهD قال: قال رسول الله9: الرؤيا لا تقص
إلا على مؤمن خلا من الحسد والبغي.
وفي -الأمالي- للشيخ الصدوق
ص 208:
بسنده عن محمد بن القاسم
النوفلي، قال: قلت لأبي عبد الله الصادقD : المؤمن يرى
الرؤيا فتكون كما رآها، وربما رأى الرؤيا فلا تكون شيئاً؟ فقال: إن المؤمن إذا نام
خرجت من روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السماء، فكل ما رآه روح المؤمن في ملكوت
السماء في موضع التقدير والتدبير فهو الحق، وكل ما رآه في الأرض فهو أضغاث أحلام.
فقلت له: أو تصعد روح إلى السماء؟ قال: نعم. قلت: حتى لا يبقى منها شيء في بدنه؟
فقال : لا، لو خرجت كلها حتى لا يبقى منها شيء إذن لمات. قلت: فكيف تخرج؟ فقال:
أما ترى الشمس في السماء في موضعها وضوءها وشعاعها في الأرض، فكذلك الروح أصلها في
البدن وحركتها ممدودة إلى السماء.
وبسنده عن أبي جعفر، قال:
إن العباد إذا ناموا خرجت أرواحهم إلى السماء، فما رأت الروح في السماء فهو الحق،
وما رأت في الهواء فهو الأضغاث، ألا وإن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف،
وما تناكر منها اختلف، فإذا كانت الروح في السماء تعارفت وتباغضت، فإذا تعارفت في
السماء تعارفت في الأرض، وإذا تباغضت في السماء تباغضت في الأرض.
وبسنده عن عليD، قال: سألت
رسول الله9 عن الرجل ينام فيرى الرؤيا، فربما كانت حقاً، وربما
كانت باطلاً. فقال رسول الله9 يا علي، ما من
عبد ينام إلا عرج بروحه إلى رب العالمين، فما رأى عند رب العالمين فهو حق، ثم إذا
أمر الله العزيز الجبار بردِّ روحه إلى جسده فصارت الروح بين السماء والأرض، فما
رأته فهو أضغاث أحلام.
وبإسناده عن أبي بصير، عن
أبي جعفرD، قال: سمعته يقول: إن لإبليس شيطاناً يقال له هزع،
يملأ ما بين المشرق والمغرب في كل ليلة، يأتي الناس في المنام.
وفي -الكافي- للشيخ الكليني
ج 8 ص 90:
بسنده عن أبي عبد اللهD قال: سمعته يقول:
رأى المؤمن ورؤياه في آخر الزمان على سبعين جزءاً من أجزاء النبوة.
وبسنده عن الرضاD قال: إن رسول
الله9 كان إذا أصبح قال لأصحابه: هل من مبشرات؟ يعني به
الرؤيا.
وبسنده عن جابر، عن أبي
جعفرD قال: قال
رجل لرسول الله9: في قول الله عز وجل: [لهم البشرى في الحياة الدنيا]
قال: هي الرؤيا الحسنة، يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه.
وبسنده عن أبي عبد اللهD قال: الرؤيا
على ثلاثة وجوه: بشارة من الله للمؤمن وتحذير من الشيطان وأضغاث أحلام.
وبسنده عن أبي بصير قال:
قلت لأبي عبد اللهD: جعلت فداك الرؤيا الصادقة
والكاذبة مخرجهما من موضع واحد؟ قال: صدقت. أما الكاذبة المختلفة فإن الرجل يراها
في أول ليلة في سلطان المردة الفسقة، وإنما هي شيء يخيل إلى الرجل وهي كاذبة
مخالفة، لا خير فيها. وأما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة
وذلك قبل السحر فهي صادقة، لا تخلف إن شاء الله إلا أن يكون جنبا أو ينام على غير
طهور ولم يذكر الله عز وجل حقيقة ذكره، فإنها تختلف وتبطئ على صاحبها.
وفي - الفصول المهمة في
أصول الأئمة- للحر العاملي ج 1 ص 689:
باب 79 - انه لا يجوز العمل
بالمنامات في الأحكام الشرعية.
بسنده عن أبي عبد اللهD قال: قال: ما
تروي هذه الناصبة؟ فقلت: جعلت فداك في ماذا؟ فقال: في أذانهم وركوعهم وسجودهم.
فقلت: إنهم يقولون: إن أبي بن كعب رآه في النوم. فقال: كذبوا، فان دين الله اعز من
أن يرى في النوم، الحديث.
وعن المفضل بن عمر في
توحيده عن الصادقD في أواخر المجلس الأول في
حديث طويل قال: قلت: فكر يا مفضل في الأحلام كيف دبر الأمر فيها، فمزج صادقها
بكاذبها، فإنها لو كانت كلها تصدق لكان الناس كلهم أنبياء ولو كانت كلها تكذب، لم
يكن فيها منفعة، بل كانت فضلاً لا معنى له. فصارت تصدق أحياناً فينتفع بها الناس
في مصلحة يهتدي بها أو مضرة يحذر منها. وتكذب كثيراً لئلا يعتمد عليها كل الاعتماد.
وفي - بحار الأنوار - للعلامة
المجلسي ج 58 ص 181:
بسنده عن هارون بن حمزة قال:
سمعت أبا عبد اللهD يقول: إن منا لمن ينكت في
قلبه، وإن منا لمن يؤتى في منامه، وإن منا لمن يسمع الصوت مثل صوت السلسلة في الطشت،
وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرئيل وميكائيلH.
وعن المكارم: قال كان رسول
الله9 كثير الرؤيا، ولا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
وعلى هذه الروايات الشريفة
الكثير من التعليقات نذكر بعضها:
منها: يستفاد من
الروايات المتقدمة وغيرها الكثير من الروايات، بأن أهل البيتE كانوا يتفاعلون
في الجملة مع الرؤيا، ولم يغلقوا هذا الباب أو ينفوه، بل كانوا يقتنعون بوجودها
ويفسرونها لمن يسأل كما هو واضح. بل الأمر أكثر من ذلك، فإن بعضها يشير إلى السؤال
الإبتدائي من رسول الله9 بحسب الرواية
حينما يقول: [هل من مبشرات؟].
ومنها: إن الروايات
الشريفة تدل على أن بعض المنامات قد تصدق، كما أن بعضها قد لا تصدق وإنما تكون
أضغاث أحلام.
ومن هنا لا يمكن الاعتماد عليها
من الناحية الشرعية، ولا تكون حجة في تحصيل التكليف الشرعي لا في أصول الدين ولا
في فروعه.
ومنها: إذا صحت
الرواية التي تقول بأن النبي9 يسأل أصحابه
بقوله: [هل من مبشرات ؟] فإن هذا السؤال قد يريد النبي9 منه بعض المصالح لهدايتهم وتربيتهم وصلاحهم، لا
أنه يريد أن يستفيد من ذلك ويعتمد عليه، فإن عنده الوحي الذي يغنيه عن ذلك جملة
وتفصيلاً. أما ما هي هذه المصالح فالله ورسوله أعلم، وما يمكن أن نقدمه كأطروحات
محتملة بهذا الصدد بعض الأمور التي لا نريد الدخول في تفاصيلها لكي لا يخرج بنا
الحديث عن موضع الحاجة.
ومنها: يستفاد من بعض
الروايات أن الرؤيا الصادقة لها أوقات محددة، كما في الرواية عن الإمام الصادقD حيث يقول بحسب
الرواية: [وأما الصادقة إذا رآها بعد الثلثين من الليل مع حلول الملائكة وذلك قبل
السحر فهي صادقة، لا تخلف إن شاء الله إلا أن يكون جنباً أو ينام على غير طهور ولم
يذكر الله عز وجل حقيقة ذكره، فإنها تختلف وتبطئ على صاحبها] وهي كما ترى تكون غير
صادقة فيما إذا كانت على حال معين، وإن صادفت وقت الرؤيا الصادقة كالنوم جنباً
وغيره. وكذلك للرؤيا غير الصادقة أوقات حددتها الرواية كما قد مرَّ علينا في نفس
هذه الرواية المشار إليها.
ومن هنا أصبحت الرؤيا ليست
بحجة ولا يعتمد عليها في كل الأحوال، وخصوصاً فيما يتعلق بعلوم الشريعة سواء على
مستوى أصول الدين أو فروع الدين كما قلنا.
ومنها: لقد رأينا أن
الحر العاملي يعقد باباً مستقلاً بعنوان [انه لا يجوز العمل بالمنامات في الأحكام
الشرعية] وذلك في الفصول المهمة. ثم يروي عن الإمام الصادقD قوله: [كذبوا،
فان دين الله أعز من أن يرى في النوم].
وعلى هذا رأي فقهائنا،
فإنهم لم يجعلوا الرؤيا مصدراً من مصادر التشريع إطلاقاً.
ومنها: إننا نجد حكمة
لطيفة في عدم صدق بعض المنامات تذكرها بعض الروايات. كما روي عن الإمام الصادقD فإنه ينفي أن
تكون كلها كاذبة لكي لا يستلزم من ذلك العبث، وحاشا لله من أن يوجدها عبثاً، كما
ينفي أن تكون كلها صادقة لكي لا يعتمد عليها الناس في أخذ معالم دينهم. وذلك حينما
يقول بحسب الرواية: [فإنها لو كانت كلها تصدق، لكان الناس كلهم أنبياء. ولو كانت
كلها تكذب، لم يكن فيها منفعة، بل كانت فضلاً لا معنى له. فصارت تصدق أحياناً
فينتفع بها الناس في مصلحة يهتدي بها أو مضرة يحذر منها. وتكذب كثيراً لئلا يعتمد
عليها كل الاعتماد]. بل نجدها تعتبر أكثرها كاذبة.
ومن كل ذلك نستنتج أن
الرؤيا لا يعتمد عليها في تحصيل علوم الدين كما أشرنا، ولا تعتبر حجة في ذلك
إطلاقاً. ولكن يمكن أن نأخذ من بعضها حكمة ما، أو تحذيراً من أمر ما، أو غير ذلك
من النتائج التي لا تتعارض مع الشريعة المقدسة، ولا تكون بديلة عنها بأي حال من
الأحوال.
فإن قيل: بأن إبراهيمD اعتمد عليها في
أمر خطير واعتبرها تكليفاً شرعياً، وذلك حينما أمر في المنام بأن يذبح ولده
إسماعيلD، كما يذكر ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: [فَلَمَّا
بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي
أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ
سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا
وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ
الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ
الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ][[2]]
.
فإنه يقال في
جوابه:
ما ذكره الشيخ الطوسي في التبيان: [وكان الله تعالى أوحى إلى إبراهيم في حال
اليقظة، وتعبده أن يمضي ما يأمره في حال نومه، من حيث أن منامات الأنبياء لا تكون
إلا صحيحة، ولو لم يأمره به في اليقظة لما جاز أن يعمل على المنامات. أحب أن يعلم
حال ابنه في صبره على أمر الله وعزيمته على طاعته. فلذلك قال له ماذا ترى؟ وإلا
فلا يجوز أن يوآمر في المضي في أمر الله ابنه، لأنه واجب على كل حال. ولا يمتنع أيضاً
أن يكون فعل ذلك بأمر الله أيضاً، فوجده عند ذلك صابراً مسلماً لأمر الله][[3]].
ونحو ذلك ما ورد في رسائل
السيد المرتضىP حيث قال: [وقد يمكن أن يكون الله تعالى أعلم النبي
بوحي يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم: أني سأريك في منامك في وقت كذا ما
يجب أن تعمل عليه. فيقطع على صحته من هذا الوجه، لا بمجرد رؤيته له في المنام.
وعلى هذا الوجه يحمل منام إبراهيمD في ذبح ولده.
ولولا ما أشرنا إليه كيف كان يقطع إبراهيمD بأنه متعبد
بذبح ولده؟][[4]].
فإن قلت: فماذا نقول في
الحديث المروي عن رسول الله9 والذي يقول
فيه: [من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي][[5]].
قلنا: إنه يمكن
الجواب على ذلك بعدة أجوبة نكتفي منها بما ذكره السيد المرتضىP في الرسائل حيث
يقول: هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، ولا معول على مثل ذلك. على أنه
يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به: من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة،
لأن الشيطان لا يتمثل بي لليقظان[[6]].
فإن قلت: إن بعض الروايات
وردت بلفظ من رآني في المنام[[7]].
قلنا: يمكن الجواب
عليه بعدة وجوه محتملة:
منها: إن لفظ [في
المنام] قد يكون لبيان حال النبي9، أي من رأى
النبي وكان النبي نائماً.
ومنها: إن المقصود على
فرض صحة الرواية هو من رأى النبي9 في الرؤيا،
وكان على وصفه الواقعي الذي كان عليه في حياته، لا أنه يرى شخصاً بأوصاف تختلف عنه
على أنه هو. فإنه حينئذ قد يرمز إلى شيء آخر، من قبيل أنه يرمز إلى شريعة رسول
الله9، وليس إلى شخصه وحقيقته.
وعلى أي حال فأي واحد من
هذه الاحتمالات وجد فإنه كاف لإبطال الاستدلال بهذه الرواية، فإنه إذا دخل
الاحتمال بطل الاستدلال.
ثالثاً: إننا نعلم من
خلال الروايات الشريفة أن المعصومينE بما فيهم
الأنبياء والرسل جميعاً، قد التزموا بقانون: [كلم الناس على قدر عقولهم]. وقد روي
عن أهل البيتE الكثير من الروايات التي تدل على ذلك.
فقد روي عن أبي عبد اللهD أنه قال: [ما
كلم رسول الله9 العباد بكنه
عقله قط][[8]].
وقال: [قال رسول
الله9: إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس
على قدر عقولهم][[9]].
وروي عن أمير المؤمنينD: [كلموا
الناس على قدر عقولهم، أتحبون أن يكذبوا الله ورسوله؟!][[10]].
وهو مسلك نافع جداً من
الناحية العملية، ويبعد الناس عن الكثير من المضاعفات غير المحمودة. ونستطيع أن
نشبه الأمر بالجرعة التي تعطى للمريض، فإنها لابد وأن تنسجم مع المرض الذي يعانيه
من دون زيادة أو نقيصة. فإن النقصان في الجرعة يسبب بطء البرء من المرض أو عدمه،
والزيادة في الجرعة تؤدي إلى أضرار جانبية، قد تودي بحياة الفرد.
وما يعطيه المعصومونE وأولياؤهم من
تربية وعطاء للمجتمع، خاضع إلى هذا القانون التربوي. فيعطون الفرد أو المجتمع ما
يناسبه، لا ما يزيد على استحقاقه أو يقل عنه. فإنه على كلا الفرضين ظلم له. لأنه
إن أعطي أقل من استحقاقه ظلم بذلك وحرم مما يستحق. وإن أعطي أكثر مما يناسبه فقد
ظلم أيضاً، لأنه سوف يضره.
ومهما كان الفرد خبيراً بالنفوس
ودقيقاً في تشخيص أمراضها، فإنه لن يتوصل غالباً إلى التشخيص الدقيق في مقدار
الجرعات من الهداية والتربية التي يعطيها للآخرين، إلا إذا كان محلاً للتأييد
الخاص من قبل الله سبحانه وتعالى. وهذا التأييد الخاص يكون على أشكال مختلفة،
كالوحي والإلهام وغير ذلك من المستويات، بحسب القرب المعنوي من الله تعالى، وبحسب
درجة الانكشاف التي تكون عند هذا المعالج للنفوس.
ومن هنا فإن البعض إن افتقد
إلى هذا التأييد الخاص، فإنه يعتمد حينئذ على عقله أو علمه أو خبرته في تشخيص
المصلحة، وهذا ما يجعل الكثيرين يشتبهون ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فقد يفسدون من
حيث يريدون أن يصلحوا.
وقد كان P دقيقاً في ذلك،
فإنه يضع الأشياء مواضعها، وكان مؤيداً بالتأييد الخاص، وقد أعطى المجتمع جرعات
متتالية ومختلفة باختلاف التطور الذي كان يلحظه ويشخصه، بما وفقه الله تعالى له من
قدرة على ذلك، وهذا من أهم أسباب نجاحه منقطع النظير.
والأمر كذلك على المستوى
الشخصي أيضاً، فإن له عطاء وتربية للأفراد كأفراد، وكان يختلف مستوى وحال بعضهم عن
البعض الآخر، وكان يخاطب كل فرد بحسب مستواه واستحقاقه.
بل الأمر أكثر من ذلك، فإن
له القابلية بأن تكون كتاباته وكلماته تصل إلى كل مستحق بحسب استحقاقه، ويفهمها
بحسب مستواه.
ويؤيد ذلك أنهP عندما شرع في
درس التفسير، وقد كنت حاضراً بفضل ربي، وكان يوم خميس، فإنه عندما جلس في البراني
ليلاً سألني قائلاً: لقد رأيتك تكتب في الدرس، فهل لديك ملاحظات على الدرس؟ فقلت
له: لا، سوى أنني أسال: هل سوف تذكر بعض المعاني المعنوية والباطنية في تفسير بعض
الآيات؟ فقال
P: بالإمكان ذلك من دون الإعلان أو التصريح، وإنما
يفهمها الذي يستحقها. ثم قال: إن البعض قد يقرأ كتاب [فقه الأخلاق] فيقول:
كله ظاهر. والبعض قد يقول: بعضه ظاهر وبعضه باطن. ولكن شخصاً قد قال لي في يوم ما:
هذا كله باطن! ثم علق قائلاً: حبيبي هذا مستواه.
ومن هنا نراه مع هذا الشاب
يتحدث بالمقدار الذي يناسب فهمه ولا يزيد عليه، فكانت له القدرة الواضحة على تحديد
مستواه، وكذلك تحديد ما يتناسب مع هذا المستوى من الكلام.
رابعاً: يظهر من جوابه
لهذا الشاب أن لديه تفاصيل لم يبينها له، لأنها أعلى من فهمه ومستواه. مما يدل على
أنه يمتلك قدرة عالية جداً، وتربية فريدة من نوعها تجعله يقدم ما فيه صلاح الآخرين،
على ما فيه بيان قدرته وعظمته. بل هو يكتم ذلك تواضعاً لله سبحانه وتعالى
وابتعاداً عن مشتهيات النفس.
وهذا ما كان عليه مسلكه،
فقد جاءه أحد طلبة الحوزة في يوم ما وقال له: سيدنا أريد أن أكتب كتاباً عن شرح
زيارة وارث.
فقال له P: لا بأس، ولكن
إذا مرت بك بعض الأسرار فلا تكتبها. فقال: نعم إن شاء الله.
فقال P: [ليس الأمر
سهلاً، لأن النفس الأمارة بالسوء تضغط على الفرد ليظهر أفضل ما عنده. وأنا دائماً
عندما أكتب فإن النفس الأمارة بالسوء تريد أن أكتب أفضل ما عندي، ولكنني أخالفها
وأكتب أدنى ما عندي].
وهذا الأمر قلَّ من يلتفت
له فضلاً عن أن يخالفه، أي قلَّ من يلتفت إلى أن هذه هي رغبة النفس الأمارة
بالسوء، وأن من الراجح لأجل تكامل الفرد أن يخالف ذلك إرغاماً للنفس الأمارة
بالسوء. مضافاً إلى أن الفرد حينما يطيعها بذلك ولديه بعض الأمور أو الأفكار التي
لا يحسن عرضها لعامة الناس، فإنه قد يسبب إلى بعض المضاعفات غير المحمودة، ويضر
الآخرين بها لتحميلهم ما لا يطيقون.
خامساً: إن التفاته لي
وتكلمه بذلك الكلام يدل على أمرين رئيسين:
أحدهما: انكشاف حالي
أمامه، وهو على القاعدة من إطلاع الأعلى على الأدنى، أو ما عند الأدنى هو عند
الأعلى مع الزيادة. والله هو العالم في مقدار استيلائه واطلاعه على غيره، والله هو
العالم بمقدار ذنوبنا وعيوبنا التي كانت تنكشف له، وما هو مقدار إدخالنا للأذى
والألم في قلبه. إلا أن ما يهون الخطب هو ستر الله سبحانه وتعالى لبعض عباده أمام
أهل الكشف، وكذلك احتمال عدم طلبه لأمثال هذه المراتب من الكشف لكي لا يهتم بها!
إما لأنها قد تكون حجاباً بينه وبين الله تعالى إذا التفت إليها! وإما لأنه من طلب
الدنيا إذا طلبها أو رغب بها، وإما لأن إرادته تتمحض مع ما يريده الله سبحانه
وتعالى، فلا يريد إلا ما يريده الله تعالى! وقد لا يريد الله تعالى ذلك لتجلي اسم
الستار في ذلك الحين!
ثانيهما: هو أنه لم يبخل
عليَّ بما يثبت حالي ويزيد في إيماني وتكاملي، ولم يشغله ذلك الشأن عن هذا الشأن!
وهذا لعظم شعوره بالمسؤولية تجاه أي فرد، وهو تخلق بأخلاق الله الكريم الذي لا بخل
في ساحته.
سادساً: إن ما عليه
تفكير بعض الأخوة هو عدم التفريق بين أسراره وبين الأسرار الإلهية. ونقصد بأسراره
هنا ما يخصه من الكرامات أو المقامات التي لم يتحدث عنها تواضعاً، أو أنه ممنوع
عنها، لأن في التحدث عنها طلباً للدنيا، أو أنه على خلاف تكليفه الخاص. فقد يجوز
لغيره التحدث عنها في بعض الموارد، ولا يفرق في ذلك بين الحياة أو الممات. وقد
يكون الأمر من الأسرار الإلهية وليس من أسراره الخاصة. فيحرم حينئذ التصريح بها لغير
مستحقيها. فقد يتم الخلط من قبل البعض بين الأمرين، ويصرح ببعض الأسرار الإلهية
بتخيل أنها من كرامات شهيدنا الحبيبP، وإذا لم يتكلم
بها فإنه يجوز لغيره أن يتكلم بها، أو أنه يقيد الجواز بما بعد الوفاة.
وفي هذا الصدد أذكر أننا
كنا في جلسة خاصة معه، وقال ما مضمونه: أنا إذا كنت أعتبر بعض الأمور من الأسرار
وأكتمها عن الناس، فليس لأحد منكم أن يتكلم بها للناس، لأننا حينئذ لم نكتم السر.
وكان مقصوده في ذلك الأسرار الإلهية التي يجب أن تبقى من الأسرار عن غير مستحقيها
في كل الأحوال.
سابعاً: بالنظر للمعارف
التي بلغها شهيدنا الحبيبP، وللمراتب الخاصة
والعالية التي وصل إليها، حتى ظهرت منها رشحات من هنا وهناك، وفهم كل بحسبه هذه
الحقيقة وهذه الشخصية الاستثنائية. وبالنظر لما عرف عنه البعض بعض كراماته، فإن
البعض توهم وروَّج بأنه هو الإمام المهديD. وهذه الفكرة
في حقيقتها من الجهل أو الوهم الذي ابتلي به بعض الناس، والتي نستطيع أن نقول عنها
بأنها بشكل وبآخر قد أضرت بهم أنفسهم، وقد يكونون قد أضروا بها السيد الشهيد نفسه.
وذلك لأننا نعلم بأن الأعداء يخططون لإفشال حركة الإمام المهديD، ويجمعون عنه
ما يستطيعون من المعلومات، وهم بكل تأكيد يأخذون الاتجاه الإمامي واعتقادهم بولادة
الإمام وحياته وطول عمره، يأخذون ذلك بنظر الاعتبار. ومن هنا فكلما شعروا باحتمال
أن يكون شخص ما هو المهدي الموعود، فإن ذلك يحرضهم عليه وقد يقدمون على تصفيته
جسدياً. لاحتمال أن يكون هو الموعود من زاوية نظرهم.
وقد تصدى P بنفسه لرد هذا
الإدعاء الكاذب، وذلك عن طريق بعض اللقاءات، وكذلك من خلال بعض خطب الجمعة.
وماذا قال هؤلاء عندما
استشهد P؟ أم أنهم أخذوا يبررون الأمر بمبررات وتوجيهات أوهن
من سابقاتها ؟!
نحن نعتقد بأنه P من الأولياء
الشامخين الذين اختصهم الله سبحانه وتعالى بخاصة نعمه ورحماته، وأنه قد بلغ من
مراتب التكامل العالي مقامات قلَّ من يصل إليها، وقد ظهر على يديه وأفاض الله
تعالى من محله عطاءً جماً شعرنا برشحات منه وغفلنا عن معظمه.
والحديث القدسي يقول بحسب
الرواية: [عبدي أطعني أجعلك مثلي: أنا حي لا أموت أجعلك حياً لا تموت، أنا غني
لا افتقر أجعلك غنياً لا تفتقر، أنا مهما أشاء يكون أجعلك مهما تشاء يكون][[11]].
وكذلك قوله في الحديث القدسي بحسب الرواية: [إن لله عباداً أطاعوه فيما أراد
فأطاعهم فيما أرادوا، يقولون للشيء كن فيكون][[12]].
وهذا مما يعطى للأولياء الذين هم دون مستوى الأئمةE.
ولا داعي لأن يتجشم البعض العناء
والتعب، ويقع في ظلمة الجهل ليصف الرجل بما هو خلاف الواقع، وإنما هو اعتماد على
الوهم ليس إلا.
ثامناً: إن بعض من يدعي
التكامل قد يجمد عند مستوى معين وإن كان متدنياً، ولكنه يركن إليه ويطمئن له. وهذا
ليس بصحيح لأن طريق التكامل لا متناهي، وكلما وصل الفرد إلى درجة ما فإن عليه أن
يسعى للوصول إلى ما بعدها. أما إذا أهمل ذلك أو قصَّر فيه، فإن تلك الدرجة تكون
حجاباً بينه وبين الله سبحانه وتعالى.
ومن هنا فإن رجلاً معقلاً
قد زار شهيدنا الحبيبP في يوم ما، وقد جلس هذا
الرجل إلى يساري، فهمسني شهيدنا المقدس وكنت على يساره، بعد أن كتب له على ورقة
صغيرة مساعدة مالية، وقال لي أعطها له بعد أن يقوم وليس أمام الناس. وبالفعل فإنه
عندما ودع السيدP فإنني تبعته إلى خارج
الغرفة وأعطيته الورقة، ومن ثم رجعت إلى مكاني. فقال لي شهيدنا الحبيب: هل تعلم أن
هذا الرجل من أهل الباطن؟ فقلت له: كأنه كذلك. فقال لي: ولكنه حبيس درجته.
فقد كان يعلم بحاله ومستواه
وتوقفه! ونحن لا نعلم بطبيعة الحال سبب توقفه، إلا أننا نعلم إجمالاً أو تفصيلاً
أن بعض أهل الباطن قد يتوقفون عند بعض المستويات لأسباب يعلمها الله سبحانه
وتعالى.
وإن من المراتب المهمة التي
يصل إليها أهل الطريق، هي مرتبة الفناء في الله سبحانه وتعالى. تعقبها مراتب
ومقامات أعلى وأعمق.
ولا أدري كيف يجتمع عند بعض
من ادعى مهدوية شهيدنا الحبيبP هذا الاعتقاد وإمكان
بلوغ مقام الفناء. لأن من يعتقد هذا الاعتقاد الخاطئ، فإنه يضع نفسه في زجاجة
صغيرة ويحجبها عن التكامل نحو أقل من الفناء، فضلاً عن الفناء، ويحسبون أنهم
يحسنون صنعاً.
فليخلِّص هؤلاء أنفسهم من
هذه الحجب، لأنها تمنعهم عن طريق التكامل الذي ينشدون إليه أو يتوهمونه.
الخاطرة
الرابعة
كان شهيدنا الحبيبP وخصوصاً في
السنين الأولى لمرجعيته، يذهب إلى زيارة الحضرة الشريفة لأمير المؤمنينD قبل الصلاة،
وخصوصاً في صلاة العشائين بوقت معتد به، قد يصل إلى نصف ساعة أو أكثر قبل صلاة
العشائين. كان يزور فيها ويصلي ركعتين ثم يجلس قرب الضريح الشريف إلى أن يؤذن
المؤذن فيذهب لصلاة الجماعة.
فإذا كانت لديَّ بعض
المسائل الخاصة أقصده عند جلوسه قرب الضريح الطاهر وأنفرد به. ولربما أكون أسبق
وصولاً، وعندما يأتي فيوفقني الله سبحانه وتعالى لأن يكون جلوسه إلى جانبي.
وفي يوم ما كنت جالساً قرب
الضريح العلوي الشريف، وأقبل P فوقف إلى جانبي
وزار ثم صلى ركعتين وجلس، فسلَّمت عليه.
ومن ثم أقبل أحد الناس وسلَّم
عليه، ثم جلس وأراد أن يسأله مسألة شرعية، فقال له P إذا كانت لديك مسألة شرعية فاذهب إلى البراني في
وقت كذا وسوف أكون هناك إن شاء الله تعالى.
فلما انصرف هذا الشخص قلت
له: سيدنا إن البعض يتمنى أن يجلس الناس حوله للسؤال، أما أنت فعلى خلاف ذلك!
فأجابني: أنا أحاول أن أطبق مقولة أمير المؤمنينD: [لا يزيدني
كثرة الناس حولي عزة ولا تفرقهم عني وحشة][[13]].
ثم قال: إن شخصاً في يوم ما دخل على أحد أهل المعرفة فقال هذا الداخل: أراك
وحيداً؟ فقال له ذلك العارف: الآن قد صرت وحيداً.
فقلت له: سيدنا لماذا لا
تطوف حول الضريح؟ لأنه P كان إذا دخل
للزيارة فإنه يدخل إلى يمين الضريح ويقبله ولا يصل إلى جهة الرأس، ثم يقف إلى جهة
القبلة ويزور. وكان على هذا الحال لعدة سنين. حتى أنه في يوم ما وكان جالساً في
البراني قال: أنا كتبت في فقه الأخلاق أن الفرد عليه أن يحمل همَّ نفسه قبل موته.
وأنا من الآن أحمل همَّاً، وهو أنني إذا مت أخشى أن يحملني بعض العوام، ويطوفون بي
ضريح أمير المؤمنينD، وهذا شيء لا أفعله الآن
في حياتي. فقال له أحد طلبة الحوزة: سيدنا لماذا؟ فأجابه: هذا سر بيني وبين الله
سبحانه وتعالى.
فمحل الشاهد أنني سألته في
تلك الجلسة في الحضرة الشريفة، عن سبب عدم طوافه حول ضريح أمير المؤمنينD، فقال لي P: إن الكثير
سألني هذا السؤال وكنت أجيبهم أجوبة بعيدة عن الجواب الحقيقي، من قبيل أنني أجيب
بعضهم أنني أجلس هنا لكي أنظر إلى الساعة لمعرفة وقت الصلاة، أو أنني أجلس هنا لكي
أكون قريباً من الباب الذي أخرج منه مباشرة. ولكن السبب الحقيقي هو .....!!!
وأجابني فعلاً، ثم التفت إلي قائلاً: الله كفيل بيننا عن كشف الحقائق. وكان كلامه
بأسلوب رقيق وهادئ يخجل النسيم، مع هيبة تذيب الجبال، مانعاً من البوح بهذا السر.
والحمد لله على نعمته، فقد وفقت للكتمان منذ تلك اللحظة عن كل أحد.
ثم قال لي: هل ترى هؤلاء
الناس الذين يطوفون؟ فإنهم يتوهمون أنهم يطوفون حول الضريح، فإنني أنظر إليهم
كأنهم غيم يطوف بعيداً عن الحضرة الشريفة، لأن حضرة أمير المؤمنينD الواقعية لا
يدخلها إلا الخاصة.
فقلت له: سيدنا يقولون أن
شخصاً ما كان يزور أمير المؤمنينD وكان مستدبراً
القبلة، وكان في غاية الاستغراق والذوبان إلى درجة أنه ابتدأ صلاته متوجهاً إلى
الضريح الشريف ومستدبراً القبلة، فانتبه له أحد الزوار، فجاء إليه ونبَّهه قائلاً
له: إن القبلة خلفك. فالتفت إليه هذا الرجل قائلاً:
|
قبلة الناسكين وجه علي |
|
ما أصاب الصلاة من أخطاها |
فلما سمع شهيدنا الحبيبP هذا البيت،
أطرق برأسه وقد أغمض عينيه، وأخذ يحرك رأسه وهو يقول: وهل يعلم الناس ما هو وجه علي؟!!
دروس
وعبر
ويمكن التعليق على هذه
الخاطرة بعدة أمور:
أولاً: إن هذا الوقت
الذي كان يتيسر له بهذا المقدار الذي كان يجلس به قرب الضريح، كان في السنوات
الأولى لمرجعيته الشريفة. أما عندما ازدادت وتوسعت مرجعيته ومسؤولياته بعد ذلك،
فكان لا يتيسر له ذلك، وإنما يأتي غالباً مع الآذان للصلاة. فإنه عند صلاة الظهرين
عندما يكون في جلسته العامة للناس، ولكثرة الواردين للسؤال، فإنه لا يقوم غالباً
إلا عندما يؤذن المؤذن. وأما بالنسبة لصلاة العشائين فإنه بعد الانتهاء من بحث
الأصول الذي كان يلقيه عصراً، كان يذهب إلى البراني لأجل بعض المواعيد الخاصة
لأصحاب الحاجات أو الأسئلة الخاصة. وكان لا ينتهي منها غالباً إلا قريب الآذان
جداً، وذلك في السنين أو الأشهر الأخيرة من مرجعيته لكثرة المسؤوليات والأعمال.
ففي كلا الحالين كان يصل مع آخر الآذان أو عند انتهائه، فكان يصل إلى سجادة الصلاة
مباشرة لإقامة الصلاة، أو الاقتصار على السلام والتحية على الإمامD.
وأما في السنين السابقة
فإنه كان يأتي بمقدار معتد به للزيارة والصلاة والدعاء والذكر. إلا أنه ضحى بذلك
قربة إلى الله سبحانه وتعالى، ولأجل خدمة المجتمع بما فيه خيرهم وصلاحهم، وهو
أيضاً من الأعمال العبادية، إلا أنها من العبادات الاجتماعية، والزيارة والدعاء
والذكر من العبادات الفردية. وكلاهما مما يتكامل به الفرد، ويحصل على الأجر
والثواب. وعليه أن يتوخى الأرضى لله سبحانه وتعالى، وما تقتضيه المصلحة العامة،
ويقتضيه تكليفه العام أو الخاص.
ثانياً: إن الإنفراد به P في بعض الأسئلة يكون أنفع للسائل، لأنه قد يسأل نفس السؤال مع وجود الناس، فيراعي